حين يُحبس الصوت طويلًا، لا يعود صدى… بل قدرًا ينفجر في أول نفَس.)
داخل الغرفة الواسعة التي تشعّ نورًا من مراياها الحجرية، جلس أرام قبالة رونين، بينما وقف سولان إلى جانبهما صامتًا، يراقب الخرائط الممدودة على الطاولة كأنها كائن حيّ يتنفس، تتقاطع خطوطه وتتشابك مثل مصائر لم تعد منفصلة عن بعضها.
قال رونين بصوتٍ عميق، ثابت كصخر الجبل:
«قبل أن تنقذ ابنك…
يجب أن تحرّر الجن.»
رفع أرام رأسه بحدة، وفي عينيه شرارة رفضٍ ممزوجة بقلقٍ دفين.
«وكيف؟»
أجاب رونين وهو يشير إلى أعماق الجبل المرسومة على الخريطة، حيث تتفرع الممرات كعروقٍ مظلمة:
«الجن في سبأ ليسوا أحرارًا.
هم أسرى…
مقيّدون بالكلمات، بالطلاسم، بالأختام القديمة.
سجونهم ليست من حديد ولا من حجر،
بل أصواتٌ محبوسة في غياهب لا يُفتح بابها إلا بصوتٍ واحد.»
توقف لحظة، ثم قال كلمة واحدة كأنها ضربة مطرقة:
«بوق.»
اتسعت عينا أرام.
امتدت يده لا شعوريًا إلى حقيبته الجلدية، حيث يرقد البوق الذي حمله من جبل النجوم، ذلك الشيء الذي لم يفهمه تمامًا يومًا، لكنه لم يشك لحظة أنه ليس عبثًا.
لاحظ رونين الحركة، ونظر إلى الحقيبة نظرة من يعرف السر قبل أن يُقال، ثم تابع بهدوءٍ واثق:
«بوق لا يُشبه أي صوت.
صوت خُلِق ليكسر القيود… لا الأبواب.»
قال أرام بصرامة، وقد استعاد توازنه:
«حتى لو استطعتُ استخدامه…
لن أقدر على فعل هذا أنا وسولان وحدنا.
ما تطلبه يحتاج رجالًا،
يحتاج قافلتي،
يحتاج الذين ينتظرون خارج أسوار سبأ.»
نظر رونين إليه طويلًا، نظرة رجل يعرف ثقل ما يُطلب، ثم قال:
«أعلم.»
وسكت لحظة قبل أن يضيف:
«لكن ليس اليوم.
الليلة تستريحان…
وغدًا نرسم الطريق إلى القصر.»
مع أول ضوء للفجر، دعاهم رونين إلى الغرفة نفسها.
لكن الخرائط لم تعد كما كانت.
تفاصيل أدق ظهرت، ممرات خفية، مسارات محفورة داخل الجبل، علامات لا يراها إلا من يعرف كيف ينظر.
أشار رونين إلى القصر، وقال:
«بُني فوق كتف الجبل.
تحته طبقات من الممرات.
وفوقه أبراج مراقبة لا تنام.»
شرح عن الحرس،
عن قادة لا يعرفون إلا جزءًا من الحقيقة،
عن ممرات لا تُفتح إلا بوجود أشخاصٍ بعينهم،
وعن أبواب لا تستجيب إلا لمن تعترف به سبأ.
تأمّل أرام الخريطة طويلًا، ثم قال بصوتٍ منخفض لكنه حاسم:
«أستطيع الوصول…
لكن ليس وحدي.»
وقبل أن يُكمل، رنّ جرسٌ صغير إلى جوار رونين.
انفتح باب جانبي لم يكن ظاهرًا من قبل.
دخلوا…
واحدًا تلو الآخر.
نجّار.
آرغوس.
عرفهم سولان قبل أن يلتفت.
مارانا.
سِهام.
العبدان.
المحاربون الذين جمعتهم الصحراء، والواحات، والدم.
تجمّد أرام في مكانه.
تقدّم خطوة، وعيناه تمتلئان بدهشة لم يعرف مثلها منذ زمن.
كان الجميع هناك…
إلا واحدًا.
تافار.
خفض أرام رأسه لحظة.
لم يحتج إلى تفسير.
عرف أن لهذا الغياب ثمنًا…
ثمنًا لا يُستعاد.
قال رونين بصوتٍ هادئ:
«أحضرتهم عبر الممرات التي لا يراها أحد.
سبأ ليست مغلقة كما يظن الجميع…
هي فقط تختار من تسمح له بالعبور.»
اجتمعوا حول الطاولة.
تكلم كلٌّ بدوره:
آرغوس شرح طرق الاقتراب.
سولان تحدث عن الحركة والمراقبة.
سِهام عن التشتيت وسرقة السمع.
العبدان عن القوة والاقتحام.
أهل الرمال عن الخداع.
وأهل الحبال عن التسلق.
أما أرام…
فكان يستمع.
ثم قال كلمته، بصوتٍ أنهى أي شك:
«هدفنا ليس القصر…
بل ما تحته.»
بدأت الاستعدادات.
سلاح يُفحَص.
رمال تُخلَط.
حبال تُعدَّل.
أدوات تُجرَّب.
كانت هناك ورشة داخل الجبل،
يتدرّب فيها كل واحد على دوره،
وكأن الرحلة كلها، منذ لحظة خروج أرام من رماد قبيلته،
لم تكن إلا إعدادًا لهذه اللحظة.
وفي زاوية الغرفة…
كان البوق ينتظر.
صامتًا.
ثقيلًا.
لكن هذه المرة…
لم يكن مجرد أداة.
كان مفتاحًا،
سيحرّر الجن،
ويطلق صدى
لا يمكن كسره،
ويشعل حربًا
لم تبدأ بعد… لكنها أصبحت حتمية.
