WebNovels

Chapter 36 - خطوات لا تُسمَع

حين يصبح الصمت سلاحًا، لا يبقى للنجاة إلا أن تتحرّك كما لو أنّك غير موجود.)

في دهاليز القصر السفلى، حيث تتشابك الأنفاق كعروقٍ خفيّة تحت جسدٍ هائل، توقّف أرام لحظة.

رفع يده ببطء، وتأمّل الخاتم في إصبعه.

لم يكن يشعّ، لم يلمع، لكنه كان حاضرًا بثقلٍ غريب… حضورٌ يُشبه نظرةً لا تُرى، ومع ذلك تُشعِرك أنّك مراقَب.

كان يعلم، دون دليل، أنّ الجنّ يشعرون به حتى وهو ساكن.

قال بصوتٍ منخفض بالكاد يلامس الهواء:

«الخاتم لي… لا لكم.

إن تفرّقنا، ستقعون قبل أن أصل أنا.»

لم يعترض سولان؛ اكتفى بإيماءة قصيرة تحمل معنى الفهم الكامل.

أومأت سِهام بصمتٍ حاد،

أمّا كارِم فارتسمت على شفتيه ابتسامة قصيرة… تلك التي تسبق الفوضى دائمًا.

اتفقوا على قاعدة واحدة لا تقبل التفاوض:

لا انفصال.

لم يكن الهدف القتال الآن،

بل المعرفة.

أين الملك؟

أين المفاتيح؟

أين المذبح؟

ومن، إن وُجد، يمكن أن يكون حليفًا في قصرٍ تحكمه الخيانة وتُدار فيه الأسرار بالسكين؟

تحرّكوا داخل السراديب كأنهم ظلٌّ واحد.

خطوات محسوبة، أنفاس قصيرة، أجساد تلتصق بالجدران حين يلزم.

الطلاسم المنقوشة على الحجر كانت تروي تاريخًا أقدم من القصر نفسه؛

بعضها خامد كندبةٍ قديمة،

وبعضها ينبض بنورٍ خافت كلّما مرّ جنّي قريب.

كان أرام يشعر بوخزٍ خفيف في الخاتم كلّما اقتربوا من نقطةٍ تحرسها قوى غير إنسية،

كأن المعدن يُنذره دون صوت.

همس سولان، وهو يقرأ الفراغ قبل أن يقرأ الطريق:

«هنا… الجنّ لا يمرّون إلا نادرًا.

هذا ممرّ إنسي.»

في اللحظة نفسها، انزلق كارِم إلى الأمام كقطعة ظلٍّ انفصلت عن الجدار.

أخرج من جرابه قطعة صغيرة من الطين المشبّع بمسحوقٍ زيتي،

وضعها في زاوية مظلمة،

ثم خدشها بحجرٍ حاد.

فحيحٌ خافت…

ثم رائحة دخانٍ خفيف.

لم تكن نارًا.

بل وهم نار.

بعد دقائق، دوّت أصوات الجنود في الجهة الأخرى:

«الدخان! هناك دخان!»

«أغلقوا الممر!»

اندفعوا في الاتجاه المعاكس،

وانفتح الطريق أمام الأربعة كما لو أنّ القصر نفسه أدار وجهه عنهم.

دخلوا غرفة تخزين قديمة:

أكياس حبوب متراكمة،

جرار ماءٍ نصف مدفونة في الأرض،

وسلال طعام أُعدّت لحصارٍ لم يُكتب له أن ينتهي.

قال أرام بصوتٍ حاسم:

«الأخدود…

لقد مرّت عليهم أيام.»

لم يُضيّعوا الوقت.

ربط كارِم الطعام في أكياس صغيرة يسهل حملها،

جهّز سولان الحبال بعُقَد صامتة،

وبقيت سِهام تراقب الممرّ، عيناها لا ترمشان.

عادوا كظلالٍ تعرف طريقها،

ممرات مرّوا بها من قبل وحفظوها ككفّ اليد،

دون صوت، دون تردّد،

حتى بلغوا حافة الأخدود.

في نقطة مظلمة من السقف،

أنزلوا الحبال ببطء،

وأفلتوا الأكياس واحدة تلو الأخرى.

لم يسمعوا أصواتًا من الأسفل،

لكن أرام شعر بالامتنان يصل إليه،

كأن الهواء نفسه حمله من قاع الظلام.

تابعوا السير.

في ممرّ جانبي، حيث وقف بعض الجنود قرب الزنازن،

التقطوا حديثًا لم يكن موجّهًا لهم…

لكنه سقط في أيديهم كخنجر.

قال صوتٌ إنسي متوتر:

«المفاتيح لا تغادر صدري…

هكذا أمر الوزير.»

ردّ آخر بنبرة خشنة:

«والملك؟»

«زنزانة السلسلة الثالثة…

خلف قاعة العرش.

لا يدخلها إلا ثلاثة…

ومن هناك سيشاهد الملك مقتل حفيده على مذبح سبأ.»

توقّف أرام.

لم يتحرّك.

حفظ الكلمات كما تُحفظ الضربات القاتلة.

أمّا المذبح…

فجاء ذكره كطعنةٍ غير متوقّعة.

«سيُجهَّز عند اكتمال القمر القادم،

في القاعة العليا…

حيث لا ظلّ ولا مفر.»

تبادلت العيون نظرةً صامتة.

الوقت يضيق.

والأرض من تحتهم لم تعد صبرها طويلًا.

تقدّموا أعمق.

في إحدى القاعات الصغيرة، فُرض عليهم الاشتباك.

جندي إنسي التفت فجأة.

سِهام كانت الأقرب.

لم تصرخ،

لم تندفع.

سكين واحدة، في موضعٍ يعرفه من يعيش بين النبضات.

سقط بلا صوت.

جندي آخر حاول الركض،

لكن كارِم ألقى كرة صغيرة تحت قدميه.

وميض… صرخة قصيرة… ثم صمت.

لم يتوقفوا.

وأخيرًا، وصلوا إلى غرفة مرتفعة،

شرفة داخلية تطلّ على قاعة الحكم.

اختبأوا خلف ستارة حجرية مزخرفة.

ومن هناك…

رأوا كل شيء.

رونين.

واقف بثوبٍ داكن،

حولَه إنس وجنّ.

جنّ بملامح غير ثابتة،

أطراف تتحرّك ببطءٍ غير بشري،

وعيون تلمع في الظلّ ثم تختفي.

كان يتحدّث بثقة المنتصر،

كأن القصر صُنع ليقف عليه وحده.

قال أرام بصوتٍ لا يكاد يُسمَع،

لكنّه كان أثقل من الحجر:

«هذا هو المسرح…

وما بعده لن يكون همسًا.»

وفي اللحظة التي رفع فيها رونين يده

ليُعلن ما سيفعله أمام الجميع…

كان القدر قد خطا بالفعل

خطوته التالية.

More Chapters