WebNovels

Chapter 35 - حين أطاعت الظلال

حين ينهار السقف فوق الرؤوس، لا يبقى للنجاة إلا ما يستجيب للدم والقدر معًا.)

في قاع الأخدود، حيث كان الحجر رطبًا كجلدٍ قديم، والهواء خانقًا كأنه لا يريد أن يُتنفَّس، خيّم الصمت بعد العاصفة.

لم يكن صمت راحة، بل صمت ترقّب، كأن المكان نفسه ينتظر الحركة التالية.

الماء راكد حول أقدامهم، يلتصق بالعظام، والظلام لا يسمح برؤيةٍ كاملة، بل يكتفي بإظهار ظلالٍ متداخلة، مشوّهة، توحي بأكثر مما تُظهر.

جلس أرام مسندًا ظهره إلى الجدار، وأمال رأسه قليلًا.

لم يكن يفكّر… بل كان يشعر.

يده انزلقت إلى داخل الحقيبة الجلدية، لا بحثًا عن أداة، بل استجابةً لنداءٍ غامض، إحساسٍ لا يعرف مصدره لكنه لا يخطئه.

وفجأة…

ومض الضوء.

أخرج الأحجار الأربعة.

لم تلمع دفعة واحدة،

بل واحدًا تلو الآخر،

كأن كل حجرٍ يستيقظ حين يلامس الهواء،

وكأنها لم تكن خامدة… بل نائمة.

انتشر نور خافت في الأخدود،

ليس نورًا ساطعًا يؤذي العين،

بل دافئًا، ثابتًا، كضوء فجرٍ حُبس طويلًا خلف الجبال.

لأول مرة، ظهرت الجدران بوضوح:

شقوق دقيقة،

بروزات حجرية خفية،

نقاط لم تكن تُرى في الظلام، لكنها كانت هناك دائمًا، تنتظر من يراها.

وقف أرام ببطء،

اقترب من الجدار المنحدر،

رفع الحجر الأول.

وما إن لامس موضعًا محددًا في الصخر…

حتى التصق.

لم يكن التصاق حجرٍ بحجر،

بل عودة جزءٍ إلى مكانه الأصلي.

أضاء الموضع بنورٍ أقوى.

رفع قدمه.

ثبت.

ثم الحجر الثاني…

ثم الثالث…

ثم الرابع.

كان يركّب الأحجار في نقاطٍ دقيقة،

كأن الجدار يعرفها،

وكأن الأحجار تبحث عنها منذ زمنٍ لا يُقاس.

تحوّل الجدار أمام أعينهم إلى درجٍ من نورٍ وحجر،

طريقٍ لم يكن موجودًا قبل لحظات…

ثم صار واقعًا.

قال نجّار بصوتٍ منخفض، مبحوح، يحمل دهشة لم يحاول إخفاءها:

«كأن الجبل نفسه يساعدك…»

وفي اللحظة ذاتها،

ومع اشتداد نور الأحجار،

جاء الصوت.

خفق جناحين.

التفت سولان فورًا، جسده سبق عقله.

أطلق نغمة قصيرة حادة،

ثم أخرى أطول، أعمق.

من أعلى الأخدود،

ظهر بارق.

هبط في دائرة واسعة،

عينيه تعكسان ضوء الأحجار،

وفي مخالبه…

حبل، معقود بعقدة ذكية، مدروسة.

مدّ سولان ذراعه،

وأصدر صوتًا ثالثًا، أخفض، أهدأ.

اقترب بارق،

دار مرة واحدة في الهواء،

ثم ألقى الحبل بدقةٍ مدهشة

ليستقر تمامًا في يد سولان.

ثبّت سولان الحبل بسرعة،

شدّه حول بروزٍ صخري كشفت عنه الأحجار،

واختبره بوزنه مرة واحدة.

قال أرام بنبرة لا تقبل نقاشًا:

«الآن.

سأصعد أنا، ومعي سولان وكارم وسهام من تلك الزاوية المخفية.

وأنت يا نجّار…

اصنع صخبًا يسرق أعين من في الأعلى.»

اقتربت مارانا، أمسكت بذراع أرام بقوةٍ لم تعهدها في نفسها:

«أرجوك…

اطمئن على أخي.

لا تتركه…

إنه لا يزال في الخان خارج سبأ.»

نظر إليها أرام لحظة،

ثم هزّ رأسه، وصوته ثابت لا يرتجف:

«سيكون بخير.»

بدأ الصعود.

أرام أولًا،

ثم سهام بخفةٍ كأنها ظلّ انفصل عن الجدار،

ثم كارم بحركاتٍ محسوبة،

وأخيرًا سولان،

الذي أطلق صفيرًا قصيرًا، شكرًا أخيرًا لـ بارق.

ظلّ الصقر يحوم لحظة،

ثم ارتفع،

واختفى في العتمة العليا.

وقبل أن ينطفئ نور الأحجار،

نزعها أرام واحدًا واحدًا،

فعادت الجدران إلى ظلامها الأول،

كأن الطريق لم يولد قط.

رفع نجّار رأسه وقال بصوتٍ خشنٍ صادق:

«اذهبوا…

سنصمد.»

وفي الأسفل،

بدأ هو ومن معه يرفعون الأصوات،

يضربون الحجر،

يتحركون عمدًا،

يصنعون صخبًا موجّهًا،

يسحب العيون بعيدًا عن أرام ومن معه…

كما اتفقوا.

اختفى الأربعة في سراديب القصر،

بينما عاد الأخدود إلى سكونه،

كأنه لم يشهد قبل لحظات

ولادة طريقٍ من نور.

في السراديب،

تحرك الأربعة كأطياف.

سولان يسبقهم بخطوتين،

يقرأ الهواء،

يحسب الصدى قبل أن يولد.

سهام تذوب في الظلال،

وكارم يزرع الموت بلا صوت.

حين اعترضهم أول جندي،

لم يصرخ.

سكين سهام سبقت صوته.

وحين اقترب آخر،

أسقطه كارم بحركةٍ خاطفة،

وسحب جسده إلى زاويةٍ مظلمة،

كأن المكان ابتلعه.

وصلوا إلى ممرٍ واسع.

هناك…

توقف أرام.

من خلال شقٍ في الجدار،

رأى زنزانة محروسة.

جنود كثيرون.

وفي الداخل…

رونين.

كان يتحدث.

أمام رجلٍ مسنّ، مكبّل بالسلاسل،

رأسه مرفوع رغم القيود.

الملك.

وحوله…

جن.

ليسوا كما تخيّلهم أرام يومًا.

أشكال تتغير،

أطراف تتحرك ببطءٍ غير بشري،

عيون تلمع… ثم تختفي.

شعر أرام بقشعريرةٍ باردة.

وفجأة…

تحرك أحد الجن.

كان مغطّى بعباءةٍ سوداء.

توقف.

وأدار رأسه…

نحوهم.

تجمّد الزمن.

همس سولان:

«انكشفنا.»

لم يصرخ الجني.

لكنه رفع يده.

وفي لحظة،

بدأ الجنود يتحركون.

انسحب الأربعة بسرعة إلى ممرٍ أضيق،

ثم أضيق،

حتى حُوصروا.

مكان خانق.

لا مخارج واضحة.

ساد صمتٌ ثقيل.

ثم خرج من الظل

جنّي طويل القامة،

حضوره يفرض الرهبة دون كلمة.

تقدّم.

ثم آخر.

ثم ثالث.

مدّوا أيديهم.

وفي اللحظة التي ظن فيها أرام أن النهاية قد جاءت…

مدّ يده إلى حقيبته.

لم يمسك سيفًا.

بل الخاتم.

الخاتم ذو نقش الذئب.

ما إن لامس إصبعه

حتى التصق به،

كأنه خُلق له.

أضاء.

نور خافت…

لكنه مرعب.

توقف الجن فجأة.

تراجع أحدهم خطوة.

ثم اثنتين.

خفضوا رؤوسهم.

وسمع أرام همسةً خرجت من أفواههم بلا صوت:

علامة السيّد…

لم يصدق.

لكن لم يشك.

قال بهدوءٍ قاتل:

«تنحّوا.»

وتنحّوا.

انسحب الأربعة بلا مقاومة.

لم يتبعهم الجن.

وعرف أرام حينها:

الخاتم لا يُخضعهم فقط…

بل يجعلهم يهابونه.

لكن الإنس…

شيء آخر.

قال سولان بحدة:

«جنود الإنس قادمون.»

اندفعوا في ممرٍ جانبي،

حتى وصلوا إلى بابٍ صغير،

خلفه رائحة نار وطعام.

مطبخ القصر.

اختبأوا بين الأفران،

والقدور،

والدخان.

لهثوا.

نظر أرام إلى وجوههم،

وقال بصوتٍ منخفض:

«الآن نعرف…

والآن نعدّ الخطوة التالية.»

خلف الجدران،

كانت سبأ تغلي.

وفي عمق القصر،

أربعة أشخاص

يحملون سرًّا

قد يُسقط وزيرًا…

أو يُحرق مدينة كاملة.

على نارٍ مشتعلة،

وخطةٍ

لم تولد بعد.

More Chapters