حين تنفلت المدينة من قبضتها، لا يبقى للأرض ولا للسماء ولاءٌ واحد.)
لم تعرف سبأ يومًا كهذا اليوم.
منذ بزوغ الصباح، بدت المدينة كجسدٍ تمزّق دفعة واحدة، لا لأن سيفًا شقّه، بل لأن العهد الذي كان يشدّ أوصاله انكسر. الرايات التي عاشت أعوامًا فوق الأسوار سقطت بلا وداع، وأخرى ارتفعت مكانها بالقوة، لا تحمل شرعيةً ولا تاريخًا، بل رائحة نارٍ طازجة.
أبواب القصور فُتحت عنوة، لا بإذنٍ ولا بمرسوم.
وساحات المعابد، التي عرفت الصمت والخشوع، امتلأت بالصراخ والدم.
في الأزقة الضيقة، تراكض الناس لا يسألون: من يحكم؟ بل: من يقتل أولًا؟
أعلن رونين نفسه حاكمًا،
لا بصوت المنادي،
ولا بختم الملوك،
بل بالنار.
جنوده اقتحموا الأحياء التي ما زالت توالي الملك الأسير، كأنهم ينتزعون ذاكرة المدينة بيتًا بيتًا. لم يكن القتل هو الهدف الوحيد؛ كان المقصود أن تُرى الهيبة وهي تُذبح أمام العيون.
أما الجن، الذين فُكّت قيودهم، فانقسموا كما تنقسم الريح عند فم الوادي:
بعضهم تبع رونين طمعًا بحريةٍ طال انتظارها، وقوةٍ لم يعرفوا طعمها منذ أجيال.
وبعضهم رفض، وهاجم كل من رفع رايته، لا دفاعًا عن ملكٍ ولا ولاءً لعرش، بل لأن القيد، حين يُكسر، لا يعني دائمًا الخضوع لمن كسره.
اندلعت الاشتباكات بين الإنس والجن،
ثم بين الجن أنفسهم،
ثم بين الإنس الذين لم يعودوا يفرّقون بين عدوٍّ وحليف.
نُهبت الأسواق التي كانت شرايين المدينة،
وأُحرقت بيوت لم يكن لأصحابها ذنب سوى أنهم وُجدوا في الطريق الخطأ،
وسُمعت أسماء قديمة تُلعن لأول مرة، أسماء كانت تُهمس بخشوع، فصارت تُقذف بالبصاق.
وفي قلب هذا الجنون،
وسط الدخان والصراخ والحديد،
كان اسم واحد يتردّد في كل زاوية، كأن المدينة نفسها تلفظه:
ابن آرام.
قيل إن الإعدام سيكون على مذبح سبأ.
قيل إن الدم سيُسفك ليُغلق باب الورثة إلى الأبد.
وقيل إن هذا اليوم لن ينتهي قبل أن يُقطع آخر خيطٍ يربط الماضي بالمستقبل.
في الأسفل…
بعيدًا عن الشمس،
بعيدًا عن الصراخ،
في الأخدود الحجري البارد،
كان المشهد مختلفًا، لكنه لا يقل قسوة.
ساد الصمت بعد صدمة الكلمات.
صمتٌ أثقل من الصراخ.
الماء راكد حول السيقان، بارد، ثقيل، كأنه كائنٌ ينتظر إشارة ليعلو من جديد. قطرات تتساقط من الأعلى على فترات، لا لتُغرقهم، بل لتذكّرهم أن الوقت لا يعمل لصالحهم.
جلس الرجال متقاربين، ظهورهم إلى الجدران، وعيونهم تتنقل بين الظلال والخطوط الداكنة في الحجر، كأنهم يبحثون عن شقٍّ في الصخر، أو فكرةٍ في العتمة.
وفجأة…
كسر سولان الصمت.
نهض ببطء، لا حركة زائدة، لا كلمة.
اقترب من أحد جوانب الأخدود، ورفع رأسه قليلًا، ثم أطلق صوتًا غريبًا.
لم يكن صراخًا.
ولا نداءً بشريًا.
كان صوتًا حادًا، متقطعًا،
ثم آخر أطول،
ثم نغمة منخفضة كأنها همس حجرٍ يعرف السر.
التفتت الرؤوس نحوه.
قال نجّار بخشونة، وفي صوته توتر لم يحاول إخفاءه:
«ما الذي تفعله؟»
لم يُجب سولان.
انتقل إلى الجهة المقابلة من الأخدود،
وأعاد الصوت…
لكن بنغمة مختلفة،
إيقاع آخر،
كأن الرسالة لا تُقال مرتين بالطريقة نفسها.
بدأ القلق يتسلل إلى الوجوه.
حتى آرام، الذي لم يعرف عنه التشتت، راقبه بصمت، وعيناه تضيقان في تركيزٍ حاد، كمن يحاول أن يتذكر لغة سمعها مرة في حلم.
ثم…
حدث ما لم يتوقعه أحد.
من الأعلى،
من عمق السماء التي لا يرونها،
جاء صوت.
صوت جناحين يشقان الهواء،
قوي، واضح، لا يخطئه السمع.
ثم صرخة حادة مألوفة.
ارتجف الأخدود.
رفع سولان ذراعه فجأة، وبسط كفه بثباتٍ غريب، كأنه كان متأكدًا من أن اليد لن تبقى فارغة.
ومن بين الضوء المتسلل،
هبط بارق.
الصقر.
عيناه تلمعان،
ريشه مبلل بالغبار،
لكن وقفته ثابتة،
كأن المسافة بين السماء وهذا القاع لم تكن سوى خطوة.
استقر على ذراع سولان،
وكأنهما لم يفترقا يومًا.
ساد صمتٌ مهيب.
صمتٌ مختلف عن صمت الأخدود.
صمت يحمل احتمالًا.
بدأ سولان يتحدث…
لا بلغة البشر،
ولا بلغة الجن.
نقرات صوتية،
همسات قصيرة،
إيقاع يعرفه الاثنان فقط.
مال بارق برأسه،
أطلق صرخة واحدة،
ثم فتح جناحيه.
انطلق.
ارتفع خارج الأخدود،
واختفى في السماء.
بقوا ينظرون إلى الأعلى،
كأن صدورهم اتسعت فجأة،
كأن الهواء صار أخف.
قال أحدهم بصوت متوتر، بالكاد يخرج:
«ماذا كان هذا؟»
تنفّس سولان بعمق،
وجلس.
ثم قال بهدوء لم يعتادوه منه:
«لا تقلقوا…
سنجد حلًا.»
نظر آرام إليه.
وفي عينيه…
لم يكن خوفًا.
كانت ابتسامة خفيفة، نادرة،
ابتسامة قائدٍ فهم أن اللعبة لم تنتهِ بعد.
قال في نفسه:
سولان لا يرسل بارق عبثًا…
والسماء ما زالت معنا.
وفي الأعلى،
كانت سبأ تحترق.
وفي الأسفل،
بدأ الأمل…
يرفرف.
