حين يُكسر العهد، لا ينتهي السلام… بل يبدأ الحساب.)
جلسوا في الغرفة الحجرية الضيقة،
جدرانها خشنة كأنها نُحتت على عجل،
والضوء فيها خافت، يتسلل من شقٍّ ضيق في السقف،
لا يكشف الملامح كاملة،
ولا يسمح للظلال أن تختفي.
كان الهواء مشبعًا بصمتٍ ثقيل،
ليس صمت القصور المترفة،
بل صمت الأسرار القديمة…
ذلك الصمت الذي لا يولد إلا في الأماكن التي شهدت خيانةً ثم كُتمت.
وقف الجني أمامهم.
أسدل عباءته قليلًا،
فكشفت ملامحه عن وجهٍ لا يستقرّ على هيئة واحدة؛
عظامه تبدو إنسية حينًا،
ثم تنزلق ملامحه فجأة إلى شيء أقدم، أعمق،
كأن الزمن نفسه لا يقرر كيف يراه.
قال بصوتٍ هادئ، عميق، لا يحمل تهديدًا ولا لطفًا:
«اسمي سِيراف.»
لم يتكلم أحد.
لم يكن الاسم بحاجة إلى ردّ.
أشار أرام له بيده أن يتابع.
استدار سيراف قليلًا،
وجعل نظره معلقًا على الجدار،
كأنه يخاطب الذاكرة لا الحاضرين.
قال:
«قبل أن تكون سبأ مدينة…
كانت ساحة حرب.»
وانفتح التاريخ.
تحدّث عن حروبٍ طويلة بين الإنس والجن،
عن دماء اختلطت بالرمال،
وعن مدنٍ لم تُبنَ لأنها أُحرقت قبل أن تولد.
قوى لا تعرف التوازن،
وانتصارات لا تترك سوى خرابٍ أكبر.
ثم قال، ونبرته تغيّرت:
«إلى أن جاء الملك…
رجل لم يرد أن ينتصر،
بل أراد أن يُنهي.»
ملكٌ لم يحكم بالسيف وحده،
بل بالعهد.
عقد اتفاقيات لم يجرؤ غيره على التفكير بها.
لم تُكتب على حجر،
ولا حُفرت على معدن،
بل كُتبت على وعد.
قال سيراف:
«زواج الملك من ابنة إحدى قبائل الجن
لم يكن حبًا…
بل ربطًا للعالمين.»
بهذا الزواج،
توقّف النزيف.
تراجعت الجيوش.
وصمتت الأصوات التي لا تُروّض.
نشأت سبأ كمدينة مغلقة.
لا خوفًا…
بل رحمة.
وأضاف:
«ما تملكه سبأ من قوة…
لو خرج،
لأحرق القبائل حولها دون قصد.»
لذلك أغلقها الملك،
حصر التجارة،
ومنع التدخل،
ليس استبدادًا…
بل حماية.
مرت سنوات طويلة من السلم.
الناس راضون.
والجن ملتزمون.
والعهد… قائم.
ثم قال سيراف بصوتٍ خافت:
«لكن…
ليس كل سلام يُرضي الطامحين.»
ظهرت محاولات انقلاب.
من الإنس…
ومن الجن.
والملك واجهها بلا تردد.
قمع المتآمرين،
سجن من حاول كسر العهد،
وحافظ على التوازن بقبضةٍ صلبة.
ثم توقّف.
خفض صوته أكثر:
«إلى أن جاء رونين.»
لم يحتج إلى شرح.
الاسم وحده كان كافيًا.
قال:
«ذكي…
طموح…
ولا يرى في القوة إلا وسيلة.»
منذ تعيينه وزيرًا،
بدأت الشقوق.
مؤامرات صغيرة،
تحالفات خفية،
كلمات تُقال في الظل.
ثم تابع:
«وبعد وفاة الملك…
جاء صهره لتولي الخلافة.
لكن رونين، حين علم بأمر الوريث…
عرف أن كل شيء سينتهي.»
سكت لحظة،
كأن الكلمة ثقيلة حتى عليه.
ثم قال:
«الوريث…
هو الربط الأخير.»
نظر إلى أرام مباشرة.
نظرة لا تحمل شفقة،
ولا اتهامًا،
بل حقيقة عارية.
«إذا خُتم على كتفه ختم النور…
فلن يستطيع أحد قتله.»
شرح أن الختم محفوظ في خزانة قديمة،
لا تُفتح بالقوة،
ولا بالسحر،
ولا بالدم.
«لا يعلم طريقتها…
إلا الملك نفسه.»
ذلك الختم،
حين يُفعل،
يستدعي حرس العهد؛
جنًّا قدامى،
لم يخرجوا منذ وُقّع السلام،
مهمتهم حماية من يحمل الصفة
التي تربط العالمين.
قال سيراف بوضوحٍ قاطع:
«لهذا…
يسعى رونين للقتل قبل الختم.»
تحرك بعدها نحو فتحة ضيقة في الجدار،
شقّ لا تراه العين إلا إن عرفت أين تنظر.
قال:
«يجب أن تخرجوا الآن.»
دلّهم على مسار خفي،
يمرّ تحت القصر،
ثم يصعد ملتفًا نحو أحد الجبال المحيطة.
«هناك بيت قديم…
مهجور في الظاهر.»
ثم نظر إلى أرام وقال:
«منه ترون المذبح.
ومن هناك…
تخططون.»
في القصر،
كانت الحركة قد بدأت.
رونين يبحث عن سبب الاضطراب.
الجنود ينتشرون.
والجن يتلقون أوامر متضاربة.
وكان الجميع يعتقد أن أرام ومن معه
ما زالوا في الأخدود.
خرجوا دون أن يراهم أحد.
تحركوا بصمتٍ محسوب،
كأن الجبل نفسه يفتح لهم الطريق.
وحين وصلوا إلى ذلك البيت الحجري المرتفع،
كانت سبأ تحتهم.
مدينة كاملة تتنفس في الظلام،
والمذبح واضحًا في قلبها،
كنقطة دمٍ تنتظر السكين.
جلس أرام.
نظر طويلًا.
ثم قال بصوتٍ منخفض…
لكنه ثابت كالسيف:
«إذن…
السباق بدأ.»
