WebNovels

Chapter 33 - اعتراف الوزير

حين يهدأ الضجيج، يبدأ الصوت الحقيقي بالكلام.)

بعد زمنٍ لم يعودوا قادرين على قياسه،

زمنٍ فقد معناه في قاع الأخدود،

بدأت الأصوات في الأعلى تخفت.

لم يعد هناك صراخ،

ولا ارتطام سلاسل،

ولا هدير جنٍّ محرَّر يجلجل في الحجر.

حلّ صمتٌ ثقيل…

صمتٌ لم يكن راحة، بل انتظارًا قاسيًا،

صمتًا يجعل كل نَفَسٍ مسموعًا،

وكل قطرة ماء تسقط من الأعلى كأنها دقّة على قلبٍ مفتوح.

في القاع، جمع أرام رجاله.

لم يفعل ذلك بأمرٍ أو نداء،

بل بحضوره وحده.

لمّ شملهم كما يفعل القائد حين لا يملك سلاحًا ولا مخرجًا،

سوى أن يبقى واقفًا بينهم.

تفقد الجراح واحدة واحدة.

شدّ الضمادات بما تبقّى من قماش،

ضغط على النزيف بيدٍ ثابتة،

واستخدمت مارانا ما بقي معها من أعشاب،

تسحقها بين أصابع مرتجفة لكنها مُصمِّمة،

بينما ساعدها سولان في تثبيت الكسور،

يُسند، يربط، ويمنع الألم من أن يتحول إلى صراخ.

جلس الآخرون مسندين ظهورهم إلى الحجر البارد.

أجساد أنهكها القتال،

والسقوط،

والخيانة.

تمدّد بعضهم حيث انتهى به الجهد،

جلس آخرون مغمضي الأعين،

ولأول مرة منذ زمن طويل…

سلّموا أنفسهم للنوم.

لكن النوم لم يكن رحيمًا.

مع بزوغ ضوءٍ خافت من الأعلى،

انهمر الماء.

لم يكن دفعة واحدة.

بل رشًّا متعمّدًا.

باردًا.

مستفزًّا.

استيقظت الأجساد دفعة واحدة،

وكأن البرد اخترق العظام مباشرة.

ارتفع الماء إلى الكاحلين…

ثم توقّف.

رفع أرام رأسه.

وفي تلك اللحظة عرف:

هذا ليس إهمالًا.

هذا انتظارٌ محسوب.

ثم سمع الصوت.

ضحكة.

ضحكة يعرفها جيدًا.

قال الصوت من الأعلى، واضحًا، واثقًا، ممتلئًا بلذّة السيطرة:

«صباح الخير يا أرام.»

تصلّب جسده.

برد الدم في عروقه.

إنه رونين.

تابع الصوت، ونبرته تحمل نشوة المنتصر الذي لم يعد يخشى شيئًا:

«أتعلم؟ لقد قمتَ بخدمة عظيمة لي… دون أن تدري.»

ساد صمتٌ قاتل في القاع.

حتى الماء بدا وكأنه توقف عن الحركة ليستمع.

قال رونين:

«بفضلك، وبسذاجتك النبيلة… استوليتُ على الحكم من والد زوجتك.

الملك الآن في الزنازن… هو والملكة.»

تشنجت الوجوه.

انقبضت الأيدي.

لكن أحدًا لم ينطق.

تابع رونين، وكأنه يروي قصة لا تمسّه:

«نعم يا أرام… أنا الوزير رونين.

حاولتُ سنوات إقناعه أن نغزو العالم بما نملكه من قوة الجن.

لكنه كان ضعيفًا.

يخاف ما وراء أسوار سبأ.

حبس قوة الجن داخل المدينة فقط.

رفض المجد…

فاستحق السقوط.»

سكت لحظة قصيرة،

ثم أكمل، بصوتٍ أكثر برودة:

«وحين علم أن له حفيدًا سيولد… وريثًا حقيقيًا…

أرسل إليك مبعوثًا ورسالة.

لتأتي، وتستلم الحكم مستقبلًا.»

ضحك ضحكة قصيرة، حادة.

«عندها فهمت أن نهايتي اقتربت.»

تنفّس أرام بصعوبة.

كأن كل كلمة تُنتزع من صدره انتزاعًا.

قال رونين:

«أمسكتُ بالمبعوث.

قرأت الرسالة.

ثم تحالفتُ مع قبائل الغرب.

وعدتهم بالذهب…

والزمرد…

وقوة الجن…

مقابل القضاء عليك.»

شدّ أرام قبضته حتى كاد الدم يتوقف في أصابعه.

تابع رونين، وكأن الطعنة لا تكفي وحدها:

«وكان مساعدك الأيمن…

خير حليف لي.

هو من استعجلك بزيارة العرّافة.

هو من أبعدك عن قبيلتك.

وبغيابك…

قضينا عليها.»

ساد همسٌ مكتوم بين الرجال.

صوت اختناق،

وصوت فَهمٍ متأخر.

ثم قال رونين ببرود قاتل:

«وابنك…

وزوجتك…

في الطريق إلينا الآن.

إلى مذبح سبأ.

سيُقتل الوريث الوحيد.

وأستلم أنا الحكم.

وبعدها…

سأغزو العالم.»

ساد صمتٌ ثقيل.

صمتٌ لم يكن فراغًا…

بل امتلاءً بانكسارٍ داخلي.

ثم…

انكسر شيء في أرام.

لم يصرخ.

لم يتوسّل.

لكن عينيه اشتعلتا،

كأن نارًا أُوقدت خلفهما ولن تنطفئ.

قال رونين أخيرًا، بنبرة رجلٍ يظن أن النهاية حُسمت:

«أما أنتم…

فلن تموتوا بسرعة.

لا.

أمرتُ أن يُملأ هذا الأخدود بالماء… قليلًا قليلًا.

حتى لا تناموا.

حتى لا تستريحوا.

حتى تنطفئوا ببطء.»

ارتفع الماء مجددًا…

حتى بلغ الركبتين.

ثم توقّف.

انسحب الصوت.

وبقيت القطرات تتساقط من الأعلى،

واحدة…

اثنتان…

كأنها عدّاد زمن لا يرحم.

نظر الرجال إلى بعضهم.

وجوه شاحبة.

عيون مثقلة بالصدمة.

قال نجّار بصوت منخفض، مكسور لكنه واعٍ:

«إنه لا يريد قتلنا…

يريد كسرنا.»

قال سولان وهو يراقب الماء:

«والماء سيعود.»

تنفّس أرام بعمق.

عميقًا بما يكفي ليُبقي الغضب حيًّا دون أن يحرقه.

ثم قال، بصوت خافت… لكنه ثابت كالصخر:

«لن نموت هنا.»

رفع نظره إلى الظلام الذي ابتلع رونين.

«سمعتموه.

الآن نعرف الحقيقة كاملة.

والآن… علينا أن نجد طريقًا…

حتى لو كان من قلب هذا الجحيم.»

والماء يلامس أرجلهم،

والوقت يعمل ضدهم،

لكن شيئًا آخر بدأ يعمل أيضًا…

العقول بدأت تفكّر.

More Chapters