حين يُنتزع المفتاح من اليد، لا يعني أن الباب لن يُفتح… بل أن أحدهم فتحه قبلك.)
في عمق السراديب، حيث تتشابك الطلاسم على الجدران كجذورٍ سوداء تغذت على الخوف قرونًا، وقف أرام ومن معه في صمتٍ مشحون.
لم يكن الصمت فراغًا، بل امتلاءً خانقًا؛ أنفاس تُحسب، وخطوات تُؤجَّل، وعيون لا تفارق الظلال التي تتحرّك على أطراف الرؤية كأنها كائنات تنتظر الإشارة.
كانوا يعرفون أن اللحظة التي وصلوا إليها لا تقبل التراجع.
إمّا خلاص يغيّر وجه سبأ…
أو هلاك يطمر أسماءهم في الحجر.
مدّ أرام يده ببطء إلى الحقيبة الجلدية التي لم تفارقه منذ خرج من مغارة العرّافة.
الحقيبة التي حملت وعود النجاة، والسرّ الذي قاده عبر الجبال والصحراء والدم.
فتحها.
تفحّصها بعجلةٍ مكتومة.
ثم… تجمّد.
لم يكن البوق هناك.
شعر كأن الأرض انسحبت من تحته دفعة واحدة.
مدّ يده ثانية، قلب الأدوات، قلب الجلد، بحث بعينين اتسعتا حتى كاد الضوء يهرب منهما.
لا شيء.
وفي اللحظة ذاتها، دوّى صوت الحديد وهو يحتك بالحجر.
صوتٌ حادّ شقّ الصمت كالسيف.
خرج الجنود من الممرات الجانبية كالسيل.
لم يكن اندفاعًا فوضويًا، بل تطويقًا محكمًا، مدروسًا، كأنهم كانوا ينتظرون هذه اللحظة تحديدًا.
صاح أحد القادة بصوتٍ أجوف:
«إلى الزنازن!»
اندفعوا.
دُفع الرجال بقسوة، ضُرب بعضهم، وسقط آخرون أرضًا.
أُصيب أوكّان بجرحٍ في ذراعه وهو يصدّ رمحًا كاد يشق صدره،
وسقط غيدر على ركبته بعد ضربة ثقيلة أربكت توازنه،
بينما شدّ نجّار الصفّ، يصرخ بالأسماء، ويجبر الرجال على التماسك وسط الفوضى.
اقتادوهم إلى موضعٍ لم يكن زنزانة.
لم يكن هناك باب.
كان أخدودًا.
حفرة هائلة، عميقة، منحدرة الجوانب،
كأنها بئر بلا قاع،
جدرانها مصقولة من كثرة من سقطوا فيها،
تحمل آثار أيدٍ حاولت التعلّق… ثم فشلت.
وقبل أن يُدفع أولهم—
انفجر الصوت.
صوت البوق.
ليس من أرام.
بل من مكانٍ بعيد، مرتفع، يعلو السراديب كلّها.
نغمة واحدة…
ثم أخرى…
ثم زئيرٌ عميق، كأنه صادر من قلب الجبل نفسه.
ارتجّت الجدران.
بدأت الكلمات المحفورة تلمع،
ثم تنطفئ،
ثم تتشقق وتتلاشى.
الطلاسم تصدّعت.
السلاسل اهتزّت.
وانطلقت أصوات غريبة من كل مكان:
أنينٌ طويل،
ضحكٌ حادّ،
صرخات فرح ممزوجة بالغضب…
أصوات كائنات كانت محبوسة في الصمت.
تحرّر الجن.
شعر أرام بذلك دون أن يُقال له شيء.
عرفه في عظامه، في صدره، في الهواء الذي تغيّر فجأة.
وعرف، بلا شك، أن من نفخ في البوق هو رونين.
تذكّر مساء الأمس.
هدوءه الزائد.
نظرته التي سبقت الأسئلة.
إجاباته الناقصة.
لم يُسرق البوق.
بل أُخذ… عن قصد.
لم يُمهلهم الجنود وقتًا للفهم.
بدأ الدفع.
سقط أول رجل.
صرخة قصيرة،
ثم ارتطام بعيد تلاشى صداه في العمق.
تقدّموا واحدًا تلو الآخر.
لكنهم لم يستسلموا للسقوط.
رمى سولان حبلاً بسرعة وربطه ببروزٍ صخري قبل أن يبتلعهم المنحدر.
استخدم ريحان رماله ليخفف الانزلاق،
وثبّت ماساي جسده كحاجز، يمنع الآخرين من التسارع نحو القاع.
أما أوكّان، ورغم جرحه، أمسك باثنين معًا وأبطأ سقوطهم بقوة ذراعيه.
تدحرجوا.
اصطدموا بالجدران.
نزفوا.
لكنهم لم يسقطوا كضحايا.
وصلوا إلى القاع.
مكانٌ مظلم، رطب،
تفوح منه رائحة موتٍ قديم لا يُخطئها الأنف.
كانت هناك عظام.
هياكل بشرية متحللة،
بعضها ما زال مكبّلًا بسلاسل صدئة.
من دخل هذا الأخدود…
لم يخرج.
سمعوا أصواتًا في الأعلى.
الجنود ينظرون.
ثم… انسحبوا.
في الخارج، كانت الفوضى تعمّ.
الجن تحرّروا.
وسبأ بدأت تهتزّ من جذورها.
أما أرام ومن معه،
فكانوا محبوسين في قلب الجبل.
جلسوا متفرقين،
يلملمون أنفاسهم،
يفحصون جراحهم،
ويعدّون الأحياء بصمت.
نظر أرام إلى رجاله.
إلى العيون التي لم تنكسر بعد.
وقال بصوتٍ خافت، لكنه ثابت كالحجر:
«لم تنتهِ بعد.»
رفع رأسه نحو الظلام.
عرف الآن أن الطريق الذي ظنّه خلاصًا
كان فخًا داخل فخ.
لكنّه عرف أيضًا شيئًا أخيرًا—
أن رونين ارتكب خطأً واحدًا فقط.
تركه حيًّا.
وفي قاع الأخدود،
حيث لا نور،
لكن ما زال هناك
قرار.
