حين يقترب المرء من كسر السلاسل، يبدأ القلب بسماع صدى القيود قبل أن تُرى.)
مرّت ثلاثة أيام كاملة داخل الجبل، أيّام لم يعرف فيها الزمن معنى واضحًا.
لم يكن هناك ليلٌ أو نهار بالمعنى المعروف، بل تعاقب خافت للضوء والظل، يحددهما تعب الأجساد لا حركة الشمس.
صدى الخطوات في الممرات الحجرية صار مألوفًا، واحتكاك الأدوات بالجدران المحفورة بات موسيقى ثقيلة ترافق الاستعداد.
كانت الدراسة هي العنوان الأكبر:
إعادة رسم الخرائط مرارًا،
مقارنة المسارات،
اختبار الممرات الضيقة التي يختفي فيها الصوت،
وتجربة الصمت… ليس كغياب للكلام، بل كفنّ للبقاء.
تعلّم الجميع كيف يتنفس دون أن يُسمع،
كيف يقف دون أن يترك ظلًا،
وكيف يتحرك وكأن الجبل نفسه هو من يغيّر موضعه.
وفي المساء الثالث،
حين خفّت الحركة وهدأ الهمس،
كان الشعور واحدًا عند الجميع:
الغد لن يكون امتدادًا لما سبقه… بل قطيعة كاملة معه.
توجّه أرام إلى غرفته الصغيرة المنحوتة في الصخر،
غرفة بلا نافذة، لكن جدرانها مشبعة بتاريخ لا يُرى.
وما إن أغلق الباب خلفه، حتى توقّف.
كان رونين هناك.
لم يجلس في الظل، ولم يقف في الضوء،
بل في المسافة بينهما،
كأن وجوده نفسه جزء من هذا الجبل.
قال بهدوء سبق الكلمات:
«كنت أبحث عنك، وأريد أن نتحدث قليلًا قبل أن نبدأ ما تم التحضير له.»
جلسا متقابلين.
ضوء خافت يتراقص على الجدران،
وخرائط مطوية بعناية إلى جانب رونين،
كأنها تعرف أنها ستُفتح للمرة الأخيرة قبل أن تتحول إلى واقع.
سأل أرام بصوت منخفض، لكن حاد:
«وماذا بعد تحرير الجن؟»
لم يُجب رونين فورًا.
نظر إلى الجدار المقابل، حيث كانت بعض الرموز الحجرية تلمع بخفوت،
ثم قال:
«بعدها… نستطيع السيطرة على سبأ المنقسمة.»
اقترب قليلًا، وصوته صار أثقل:
«المدينة ممزقة.
أنصار الملك الحالي من جهة،
وورثة الملك الأسير من جهة أخرى.
لكن الجن… هم الكفة التي لم تُستخدم بعد.»
ثم أكمل، وكأنه يرسم صورة لا تُرى:
«بوجودهم إلى جانبك، تستطيع عبور الصحراء التي تستغرق شهورًا في أيام.
تستطيع أن تستخدم الريح،
وأن ترى ما لا يُقال،
وأن تسمع ما يدفنه الناس حتى عن أنفسهم.»
سكت لحظة، ثم تغيّر صوته:
«لكن انتبه يا أرام.»
رفع أرام عينيه.
قال رونين بوضوح لا يقبل التأويل:
«طاعة الجن ليست مطلقة.
قوتهم تتغيّر من أرض إلى أرض.
وطاعتهم تخضع دائمًا للأقوى في المكان، لا للأصدق نية.»
ثم أضاف ببطء:
«قد يطيعونك هنا…
ويرفضونك هناك.»
ساد صمت ثقيل.
أكمل رونين:
«وهم، مثل الإنس، ينتظرون أي فرصة للتحرر من الحكم.
لا تمنحهم أكثر مما تحتاج،
ولا تنسَ غايتك الوحيدة…
الوصول إلى قبيلتك بأسرع وقت.»
هزّ أرام رأسه، لكن عينيه كانتا تحملان سؤالًا أعمق.
قال أخيرًا:
«كنت قريبًا من قريتي قبل أن آتي إلى سبأ.
لماذا كل هذا الطريق؟
لماذا أنا؟
هناك سبب آخر… أعرفه.»
نظر رونين إليه طويلًا،
نظرة من يعرف الإجابة… ويؤجلها عمدًا.
ثم قال:
«ستعرف حين يحين وقته.
كل موقف… له خبره.»
نهض أرام دون أن يسأل أكثر.
خرج، واستسلم للنوم،
لكن النوم لم يكن راحة،
بل انتظارًا.
نبض الخطة كان يدق في رأسه مع كل نفس.
مع الفجر، اجتمع الجميع.
لا خطب.
لا كلمات زائدة.
كل رجل يعرف موضعه،
وكل يد تعرف عملها.
تحركوا مع أول خيط من الضوء.
سِهام كانت الأولى.
اقتربت من أحد قادة الحرس،
تحركت كما تتحرك الظلال حين تتعلم من الجدران،
استغلت لحظة انشغال،
وسحبت مفتاحًا ثقيلاً من حزامه،
ثم اختفت… كأنها لم تكن.
آرغوس قاد المسار الخارجي.
قرأ الجبل كما يُقرأ كتاب قديم،
حدّد أين توضع القدم،
وأين يُكسر الصدى،
وأين يمكن للصوت أن يخون صاحبه.
سولان كان العين البعيدة.
راقب الأبراج،
وكان صقره بارق يحلّق فوقهم،
حركة جناحيه والتفاتات رأسه رسائل صامتة،
لا يقرأها إلا من تعلّم لغته.
رجال الرمال استخدموا صررهم بحذر شديد.
ذرّوا طبقات خفيفة أربكت الرؤية،
لا كعاصفة،
بل كخطأ بصري…
كأن المكان نفسه أخطأ في رؤية ذاته.
رجال الحبال صعدوا من حيث لا يُصعد.
ربطوا، شدّوا، وفكّوا دون صوت،
حتى صار الجدار طريقًا.
العبدان كانوا القوة الصامتة.
حين احتاجوا دفع باب حجري ثقيل،
أو تثبيت حارس دون صراع،
كانت أيديهم تحسم الأمر في لحظة.
أما أرام…
فكان في القلب.
لا يتقدم كثيرًا،
ولا يتأخر.
يوجّه بنظرة،
ويوقف بكف،
ويمضي حين يحين الوقت.
دخلوا سراديب القصر.
الهواء هناك كان أثقل.
الجدران محفورة بطلاسم غريبة،
رموز تلمع حين يمر قربها أحد.
دوائر حجرية،
سلاسل لا تُمسك،
وأدوات من معادن لم يعرفوها.
أعمدة مغروسة في الأرض،
مرتبطة بخطوط محفورة،
تشكل شبكة طاقة
تحبس ما لا يُرى.
الحراس هنا مختلفون.
قليل الحركة،
لكنهم يعرفون ما يحرسون.
وقعت اشتباكات سريعة.
قصيرة.
حاسمة.
كل ضربة محسوبة،
كل صرخة مكتومة.
وأخيرًا…
وصلوا إلى الغرفة الكبرى.
غرفة السجن.
هنا تُحبس الجن.
ليس بأغلال…
بل بكلمات.
طلاسم مكتوبة بالدم والحجر.
مرايا سوداء.
وأدوات تُضخّم الصوت المعاكس،
تُضعف أي نداء،
وتمنع أي تحرر.
وقف أرام عند العتبة.
نظر إلى المكان.
وعرف…
أن ما سيحدث بعد هذه اللحظة
لن يغيّر سبأ وحدها،
بل سيغيّر كل ما عرفه عن
القوة،
والطاعة،
والثمن.
هناك…
عند باب السجن،
قبل أن يُنفخ البوق،
وقبل أن يُكسر القيد.
