WebNovels

Chapter 29 - الباب الذي اختارهم

حين تُغلَق كل الطرق، لا يبقى إلا الباب الذي يفتح نفسه لمن كُتب له العبور.)

بعد دخولهما الكهف، اتخذ أرام وسولان موضعًا عميقًا في جوفه، بعيدًا عن الفتحة، حيث يخفت الصدى وتبرد الأنفاس، وحيث لا يصل من العالم الخارجي سوى ارتجافٍ باهت كذكرى بعيدة.

استلقيا طويلًا دون كلمة واحدة، يتركان للتعب أن يفرض سلطته، وقد أثقلت عليهما الأيام المتراكمة، الليالي المشدودة، والخسارة التي لم تُدفن بعد.

كان الصمت هناك مختلفًا… صمت لا يهدد، بل يضمّ الجسد كملاذٍ مؤقت.

وحين اكتمل القمر وارتفع في منتصف السماء، خرجا من الكهف ووقفا عند فمه.

بدت سبأ من علٍ ككائنٍ حيّ، بيوتها معلّقة على الصخور، طرقها تتسلق الجبال، وأنوارها الخافتة تنبض بانتظامٍ غريب، كقلبٍ لا ينام.

قال سولان بصوت منخفض، كأنه يخشى أن يسمعه الحجر:

«لماذا جئنا؟… وإلى أين نمضي؟»

ظل أرام ينظر طويلًا إلى المدينة، ثم قال بصوتٍ لا يحمل يقينًا ولا شكًا:

«لا أعلم… لكن لا بدّ أن هناك إشارة. سبأ لا تعطي أسرارها لمن يسأل مباشرة.»

تحركا بحذرٍ شديد داخل المنطقة المحرّمة.

تجنّبا الاقتراب من السكان، وتجنّبا السؤال، وكان حديثهما مقتصرًا عليهما وحدهما، كأن الكلام مع غيرهما قد يوقظ عيونًا لا تُرى.

كانت المدينة مهيبة على نحوٍ يربك الحواس:

مبانٍ ترتفع فوق الصخور،

طرق لا تُسلك إلا بحبالٍ تشبه السلالم،

درجات محفوفة بالمخاطر،

وأشجار تنمو حيث لا ينبغي للحياة أن تجد موطئ قدم.

دارا طويلًا، يراقبان، يحفظان المسارات، ويحسبان المسافات.

ثم توقف أرام فجأة.

أمامهما قصر لا يشبه ما حوله.

قباب عالية، أبراج شاهقة، وحراسة كثيفة.

مكان يقف خارج نسق البيوت، كأنه القلب الذي تضخّ منه سبأ سلطتها.

لم يحتج أرام إلى تفسير.

عرف… أو شعر… أن هنا يكمن ما جاء من أجله.

هنا، أو خلف هذه الجدران، يقبع السر.

بدآ يبحثان عن الطرق الأقل خطرًا، عن الممرات التي لا تراها العيون بسهولة.

لكن قبل أن يكملا بحثهما، لاحظا حركة غير مألوفة.

مجموعة من الجنود تقترب.

غيّرا اتجاههما فورًا، وسلكا طريقًا جانبيًا.

لكن أحد الجنود لمح التغيّر، وأشار لمن معه.

لم يرفعوا أصواتهم.

لم يركضوا.

كانوا يسيرون بهدوء… لكن في الاتجاه نفسه.

تسارعت خطوات أرام وسولان قليلًا.

وتسارعت خطوات الجنود مثل ظلٍّ يضيق.

تاهت الممرات بين البيوت،

وضاقت الأزقة،

حتى وصلا إلى موضعٍ مغلق لا مهرب منه.

في زاويةٍ معتمة، شعر أرام أن الطوق قد اكتمل.

وقبل أن يلتفّ الجنود نحوهما…

انفتح باب في الجدار إلى جانبهما.

باب لم يكن هناك قبل لحظة.

يدٌ خفية جذبتهما إلى الداخل.

ظلام كثيف ابتلعهما.

وانغلق الباب بسرعة، بلا صوتٍ تقريبًا.

وقفا في العتمة، أنفاسهما متلاحقة.

لا يعلمان:

هل دخلا كمينًا أعمق؟

أم أن سبأ… اختارت أن تحميهما هذه المرّة؟

في ذلك الظلام، بدآ يتحسسان ما حولهما.

لا جدران واضحة، لا زوايا، لا ملامح…

فقط عتمة تبتلع الصوت والهواء معًا.

سحب أرام سيفه ببطء، وفعل سولان الشيء نفسه، وقد تهيأ كلٌّ منهما لأي حركة، لأي نفسٍ غريب.

وفجأة…

لمع حدُّ السيفين.

كان انعكاسًا لضوءٍ خافت،

ضوء شمعدان يقترب ببطء،

تحمله يد شخصٍ لم يظهر وجهه بعد.

تصلّبت الأجساد، لكن الصوت جاء هادئًا، ثابتًا:

«استريحا… أنتما الآن في مكانٍ آمن. لن يطالكما أي أذى.»

سأل أرام فورًا، وصوته مشدود:

«من أنت؟»

اقترب حامل الشمعدان حتى ظهرت ملامحه تحت الضوء المتذبذب، وقال بلا تردد:

«اسمي رونين… وأنا من تبحث عنه يا أرام.»

تجمّد أرام.

«وكيف عرفت اسمي؟»

قال رونين بهدوءٍ ثقيل:

«لأني انتظرتك منذ زمن… وأنا من سيضع ختم النور على كتف ابنك.»

سقطت الكلمات كالصاعقة.

ابنه؟

ختم النور؟

تدفقت الأسئلة بعصبية، بينما ظل سولان يراقب بصمتٍ مشدود.

تنفّس رونين بعمق وقال:

«زوجتك يا أرام ليست كما تظن. أصولها تعود إلى سبأ.

جدّها كان ملكًا، وتزوّج من الجن، ومن ذلك الدم وُلدت سلالتها.»

تابع بصوتٍ أكثر قتامة:

«حين وُلد ابنك… وُلد رابطٌ نادر.

طفل يحمل دم الإنس والجن.

ولو خُتم بختم النور، خضع له الجن، وسقط عرش الملك الحالي.»

تصلّبت ملامح أرام.

فهم الآن.

قال رونين بوضوحٍ قاتل:

«لهذا أُرسلت النار إلى قبيلتك… ولهذا يُطارَد ابنك.»

اقترب منه وقال:

«تعال معي. لكل أمرٍ وقته… وسنرسم الطريق خطوةً خطوة.»

قادهم عبر ممرٍ طويل إلى قاعة عظيمة داخل الجبل.

كتب، خرائط، مرايا تعكس الضوء في كل اتجاه.

جلسوا أمام خريطة كبيرة، وقال رونين بصوتٍ ثابت:

«من هنا…

سنبدأ كل ما جئتَ من أجله يا أرام.»

More Chapters