WebNovels

Chapter 26 - ما وراء باب التجّار

ليس كل بابٍ يُفتح للعبور… بعض الأبواب تُفتح لتكشف ما لا يُغلق بعده.)

بعد أن غادر الدليل، طلب أرام من الجميع أن يستريحوا، ثم صعد وحده إلى غرفته في الخان. كان المساء يزحف ببطء، والضجيج في الأسفل يذوب شيئًا فشيئًا، لكن رأسه كان يعجّ بأسئلة لا تعرف الهدوء.

جلس على الأرض، وأسند ظهره إلى الجدار الحجري البارد، ثم فتح حقيبته الجلدية كما لو أنه يفتح سجلّ رحلته كلها.

أخرج ما يحمله ووضعه أمامه بعناية، كأنها شواهد على طريقٍ لم يعد له بداية واضحة:

البوق القادم من جبل النجوم، ثقيل الصمت كأنه ينتظر لحظة لا يعرفها،

الحبل المجدول الذي عبر به موتًا محققًا،

الصُرّة الجلدية التي أعطته إياها زوجته قبل الرحيل، ما زالت تحمل رائحتها،

وبعض الأغراض التي أخذها من مغارة الكنز، أشياء تبدو عادية لمن لا يعرف قيمتها.

راح ينظر إليها واحدًا واحدًا، لا بعين قائد، بل بعين رجل يحاول أن يفهم لماذا وصل إلى هنا أصلًا.

قال في نفسه:

قيل لي: اذهب إلى سبأ… لكن لماذا؟

ما الذي يجعلها مختلفة عن كل مدينة مررت بها؟

وهل ما أريده منها هو ما أظنه… أم ما لا أجرؤ على تسميته؟

أدرك أن المنطقة التي سيدخلها مع التجّار ليست غايته. هذه منطقة يستطيع أي رجل الوصول إليها إن امتلك المال والصبر واللسان المناسب.

أما ما طُلب منه، وما سُحب إليه خطوة خطوة، فكان أعمق من تجارة… وأخطر من رحلة.

تذكّر كلمات العرّافة، ونظرة أوشان، وصمت جبل النجوم.

لو كان المطلوب مجرد بيع وشراء، لما احتاج إلى كل هذا،

ولا إلى الدم،

ولا إلى الفقد،

ولا إلى طريقٍ لا يعود منه الرجال كما ذهبوا.

فهم أخيرًا أن هناك سرًا خلف منطقة التجّار،

مكانًا محرّمًا على الغرباء،

وأن دخوله لن يكون عبورًا عاديًا،

بل نقطة تحوّل…

إما أن يعود بعدها شخصًا آخر،

أو لا يعود أصلًا.

أغمض عينيه محاولًا ترتيب أفكاره،

لكن النوم لم يأتِ كما يأتي للمتعبين.

فتح عينيه فجأة…

ليشعر ببرودة حدّ سيف يلامس رقبته.

كان الدليل.

قال بصوت منخفض، حادّ، لا يحمل تهديدًا بقدر ما يحمل سؤالًا قاتلًا:

«لماذا جئت إلى هنا؟

أنت لست تاجرًا… ولم تأتِ للتجارة.»

لم يصرخ أرام، ولم يتحرّك بتهوّر.

بحركة صغيرة محسوبة، أزاح حدّ السيف عن عنقه، وانتقل إلى وضعية دفاع لم يتوقعها الدليل، حركة تقول بوضوح: أستطيع قتلك… لكني لا أريد.

تراجع الدليل خطوة، واتسعت عيناه قليلًا.

قال بدهشة مكبوتة:

«إذًا… أنت تعرف.»

أجاب أرام بهدوء أثقل من أي تهديد:

«أعرف أن سبأ ليست للجميع.

وأعرف أن من يدخلها… لا يخرج كما دخل، إن خرج.»

جلس الدليل ببطء، وأعاد سيفه إلى غمده، كأن المعركة انتهت قبل أن تبدأ.

ثم قال:

«سبأ معزولة عن العالم.

تلفظ كل غريب… إلا من يستحق.

دخلها أناس من غير أهلها،

منهم من قُتل،

ومنهم من اختفى،

ولم يُعرف عنهم شيء.»

فهم أرام المعنى جيّدًا.

الدخول ممكن…

لكن الخروج إمّا مستحيل، أو مشروط بثمن لا يُذكر.

قال أرام بصوت خالٍ من الرجاء:

«لم آتِ لأؤذي أحدًا.

أتيت لأعود إلى أهلي…

ولا أستطيع ذلك دون الدخول إلى سبأ.»

طال صمت الدليل، ثم قال بنبرة أخف، أقرب إلى الحقيقة:

«أنت لا تعرف ماذا تريد بعد الدخول، أليس كذلك؟»

لم يجب أرام.

لأن الصمت كان أصدق من أي جواب.

نهض الدليل واتجه نحو الباب، ثم توقّف وقال دون أن يلتفت:

«سأحاول مساعدتك بقدر ما أستطيع.

لكن لا تتهوّر…

بعض الأبواب، إن فُتحت، لا تُغلق بعدها.»

وقبل أن يخرج، أضاف:

«سبع قطع نقدية…

هي طريقك إلى منطقة التجّار.

ستجدها مع نَجّار.»

ثم اختفى، كأنه ظلّ مرّ ولم يُرد أن يُرى.

نزل أرام إلى مخدع نَجّار، أخذ القطع النقدية دون شرح، وعاد إلى غرفته.

تمدّد على فراشه، وهذه المرة نام…

نومًا خفيفًا، كمن ينتظر الصباح لا ليستريح، بل ليستعد.

 

مع أول الضوء، اجتمع من اتُّفق على دخولهم:

مارانا، ريمان، سِهام، سولان، تافار، وأرام.

كان الدليل السابع ينتظرهم عند باب الخان.

تقدّموا نحو البوابة الكبرى، تلك التي تفصل بين عالمين لا يشبه أحدهما الآخر.

وما إن تجاوزوها، حتى انصدم أرام بما رأى.

مبانٍ جبلية شاهقة كأنها نبتت من الصخر،

منحوتات ضخمة لحيوانات غريبة،

أعمدة ومجسّمات لا تنتمي لشرقٍ ولا لغرب،

مدينة لا تُشبه ما عرفه البشر…

مدينة تبدو كأنها تعرف نفسها، ولا تحتاج أن يعرّفها أحد.

تحرّكوا داخل الأسواق.

لم يسلك أرام قلب السوق، بل أطرافه،

ينظر، يلاحظ، يقيس،

بعيني محارب لا بعيني تاجر.

كان الدليل ينتبه لذلك،

ويراقب طريقته بصمت.

سِهام كانت تبتعد قليلًا،

تقف قرب مجموعاتٍ تتحدّث،

تلتقط الكلمات،

ثم تختفي بين الجموع كأنها لم تكن.

مارانا تقلّب التوابل والأعشاب،

تشتري بحكمة،

تسأل دون فضول،

لأنها تعلم أن ما تأخذه اليوم… قد ينقذ روحًا غدًا.

سولان وتافار يراقبان الطرق،

المخارج،

المسافات،

يتعلّمان المدينة كما يتعلّم الجندي ساحة معركة.

أما ريمان…

فلم ينتبه له أحد.

كان يسير حيث يشير أرام،

يحفظ الأزقة،

الأعمدة،

العلامات الصغيرة،

كأنه لا يرى المدينة… بل يرسمها داخل رأسه.

مرّ اليوم كاملًا.

استطلاع، مراقبة، استراق، وتعلّم صامت.

وحين مالت الشمس نحو الغروب،

خرجوا من سبأ،

وعادوا إلى الخان.

جلسوا ليستريحوا،

لكن أرام كان يعلم في داخله أن هذا اليوم

لم يكن سوى

الخطوة الأولى

داخل فم سبأ.

وأن ما وراء باب التجّار…

لن يسمح له بالدخول

دون ثمن.

More Chapters