WebNovels

Chapter 9 - رسائل السماء

( حين تراقبك السماء، لا يكون الطريق مجرد أرض… بل اختبار ) .

كان الطريق نحو الشرق يزداد قسوة يومًا بعد يوم.

الرياح لم تعد مجرد نسيم بارد، بل أنفاس حادة تشقّ الوجه،

والغيوم صارت أثقل، متدلية كأنها تراقب كل خطوة،

أما الثلوج فقد بدأت تزحف على الجبال ببطءٍ مقلق، كجيشٍ أبيض يتقدم دون استعجال.

كان الزمن يسير معهم على غير وتيرة واحدة؛

بطيئًا حين يثقل التعب الأرواح،

وسريعًا حين يلهيهم الخطر عن عدّ الأيام.

دخلوا الشهر الثالث منذ بدء رحلتهم نحو سبأ.

كان نجّار يسير في المقدمة، يرفع غطاء رأسه كلما اشتدت الريح، ملامحه أكثر صلابة مما كانت عليه عند خروجه من قبيلة نبراثا.

خلفه كان أرام، صامتًا كعادته، يحمل المتاع ويتمّ دوره بدقة رجل يعرف أن بقاءه مرهون بعدم لفت الأنظار.

أما نِبالْيان فكان يسير إلى اليمين، عينيه لا تستقران؛

حينًا على الأرض يقرأ الأثر،

وحينًا على السماء كأنه ينتظر علامة.

في أحد الوديان الضيقة، حيث تحاصر الصخور المسار من كل جانب، انتبه أرام لشيء غير مألوف.

طائر…

لكن ليس أي طائر.

كان ضخم الجناحين، ريشه رمادي داكن،

يحوم في الهواء بثباتٍ لا يشبه طيران الغربان ولا النسور.

صوته صفير طويل يخترق الريح، يظهر ثم يختفي، ثم يعود ليقف على صخرة مرتفعة، رأسه موجّه نحوهم تمامًا.

قال نِبالْيان بصوت منخفض وهو يضيّق عينيه:

«هذا ليس طائرًا ضالًا…

إنه يراقبنا.»

سأله نجّار دون أن يبطئ خطاه:

«تابع لقبيلة؟»

هزّ نِبالْيان رأسه ببطء:

«لا طائر يطير عكس الريح في هذا الطقس إلا وهو مألوف للبشر.

هذه أعين… وليست أجنحة فقط.»

لم تمضِ دقائق حتى تغيّر الهواء نفسه.

الثلج بدأ يهطل بكثافة، والرؤية صارت أقصر،

ثم—وبدون إنذار—خرج من بين الصخور عشرة رجال دفعة واحدة،

يطوقونهم من كل جانب.

رماحهم مرفوعة، وجوههم قاسية،

لكن في عيونهم لم يكن الحقد…

بل حذر يشبه حذر الصياد حين يواجه فريسة لا يعرف إن كانت فريسة أم خصمًا.

تقدم أحدهم، لحيته رمادية قصيرة، خرزات جلدية معلّقة حول معصمه، وقال بصوت ثابت:

«من أنتم؟ ولماذا تمرّون في أرضنا؟»

تقدّم نجّار خطوة، وقف كما يليق بقائد، وقال:

«مسافرون نحو الشرق.

نطلب ممرًا آمنًا قبل أن تبتلعنا الثلوج.

لا نحمل شرًا، ولا نبحث عن قتال.»

نظر الرجل إلى نِبالْيان، ثم إلى أرام،

ثم رفع رأسه نحو السماء حيث كان الطائر ما يزال يحوم.

قال بهدوء حاسم:

«السماء رأتكم قبل الأرض.

وصقرنا لا يتبع رجلاً خبيثًا.

ستأتون معنا… حتى تهدأ الثلوج.»

لم يجادل أحد.

فالثلج وحده كان كافيًا لدفنهم أحياء.

قادوهم عبر مسار خفي بين الصخور،

ممرات لا يراها إلا من يعرف الجبل كما يعرف كف يده.

وبين خطوة وأخرى، بدأت تظهر ملامح قرية كاملة…

بيوت محفورة في الصخر،

ساحات حجرية،

وممرات معلّقة لا تُرى من بعيد.

كانوا في قرية الجبل…

قرية الصقور والحبال.

هناك تعرّف أرام لأول مرة على الهَرّاس،

صقر جبلي ضخم لا يتبع إلا صيادي الجبال.

كان يُستخدم لاكتشاف الغرباء، وقراءة نواياهم من السماء.

لكل صقر نبرة صوت،

ولكل نبرة معنى:

غريب وحيد،

مجموعة مسلحة،

أو عابر ضائع.

الأكثر إدهاشًا لم يكن الصقور…

بل الحبال.

حبال بعدد لا يُحصى،

لكل منها اسم،

طريقة لفّ،

وعقدة خاصة.

حبال للتسلق،

حبال للفخاخ،

حبال لعبور الوديان،

وأخرى لربط الأجساد حين تخون الأرض.

جلس أرام طويلًا يراقب، يتعلّم دون أن يسأل.

كان يشعر أنه دخل مدرسة لا تُدرّس القتال…

بل فن النجاة.

ومن بين رجال القبيلة برز اسم سولان.

أمهرهم في التسلق،

أسرعهم في عقد الحبال،

وأخفّهم حركة.

ضحك سولان يومًا حين رأى أرام يحاول تسلق جدار منخفض،

لكن بعد أسبوعين صار أرام يتقن نصف ما يتقنه،

وبعد شهر صار الشيوخ ينظرون إليه بنظرات تقدير صامتة.

أما نِبالْيان، فقد وجد مكانه بين رماة السهام.

سهمه لا يخطئ،

وعينه لا ترتعش.

ومع تعافي نجّار، بدأ سولان يقترب أكثر،

حتى جلس ذات ليلة قرب النار وقال:

«سمعت أنك متجه إلى سبأ.

لي شأن هناك…

وأعلّم خادمك كيف يختفي في الجبال كما يختفي الظل.»

نظرة واحدة بين أرام ونجّار كانت كافية.

قال نجّار أخيرًا:

«نرحب بك…

إن صدقت خطواتك كما تصدق كلماتك.»

وفي الصباح، قدّم أرام بعض الفضة لشيخ القرية،

فوافق على انضمام سولان إليهم،

ومعه صقره بارق، الذي ربّاه منذ كان فرخًا.

وهكذا

بعد شهرين كاملين من الثلوج والتعلّم

خرج الأربعة من بين الصخور:

نجّار في المقدمة،

نِبالْيان يسير كظل،

سولان بحبالِه وصقره بارق،

وأرام…

الرجل الذي صار يختفي أكثر مما يظهر.

بدأت الثلوج بالذوبان،

والطريق إلى سبأ انفتح أخيرًا.

الآن…

لم تعد الرحلة مجرد عبور.

الآن…

بدأت الرحلة الحقيقية.

More Chapters