( حين لا يعود الاسم درعًا، يصبح التخفي أول أشكال البقاء ) .
جلس أرام قرب نجّار تلك الليلة، والنار الضعيفة بينهما ترتجف كما لو كانت تشاركهما الإنهاك. كانت ألسنة اللهب قصيرة، متعبة، لا تضيء إلا وجهيهما بالكاد، فيما ظلّ الجبل من حولهما صامتًا، كأنما اكتفى بما أخذه منهما.
كان جسد نجّار مثقلاً بالجراح، لكن عينيه ظلّتا ثابتتين، حاضرتين، تنصتان لكل كلمة ينطق بها أرام. قال أرام بصوت منخفض، لا يحمل نبرة قائد هذه المرة، بل نبرة رجل يزن حياته من جديد:
«لن أصل إلى سبأ إن بقيتُ أنا القائد أمام الناس.
يعرفون وجهي… ويعرفون اسمي.
والذين دمّروا قبيلتنا يبحثون عني أنا، لا عن غيري.»
شدّ نجّار على قطعة القماش التي تربط جرحه، وسأله بهدوء متعب:
«وما الذي تنوي فعله؟»
رفع أرام عينيه إلى الظلام الممتد أمامهما، وقال بعد صمت قصير:
«سنبدّل أدوارنا.
أنت ستكون القائد… وأنا خادمك.
رجل يحمل المتاع، يتبع الأوامر، لا يلفت النظر، ولا يثير الشبهة.
بهذا نعبر الطرق والقبائل دون أن يعلم أحد أن ابن تمران ما زال حيًا.»
سكت نجّار لحظة، ثم ارتسمت على وجهه ابتسامة خفيفة رغم الألم:
«ومتى كنتُ أنا قائدك يا أرام؟»
ردّ أرام بابتسامة بالكاد تُرى:
«حين يموت الرجال… تولد أدوار جديدة.»
لم يكن في موافقة نجّار تردد. لم يكن يملك رفاهية الاعتراض، لكنه أيضًا كان يعرف أن ما يقوله أرام ليس حيلة عابرة، بل ولادة قرار لا رجعة فيه. لقد فهم أن الرجل الجالس أمامه لم يعد فقط قائد قبيلة سقطت، بل رجلًا يسير نحو قدر أكبر من اسمه.
مع أول ضوء للفجر، التفّا حول الجبل مبتعدين عن الطرق المعتادة، كي لا يتركوا أثرًا لمن قد يتعقبهم. بدأ المسير شرقًا، رحلة طويلة لا تُقاس بالأيام وحدها، بل بما تحمله من تغيّر بطيء في النفوس.
كانت الأرض التي يدوسها أرام غريبة عنه؛
صخورها أقل حدة، لكن أكثر خداعًا،
نباتاتها قصيرة ملتوية،
والهواء يحمل روائح لم يعرفها في أرض آل تمران.
كان وَبّار يسير إلى جانبهما، يحمل ما تبقّى من زاد، يلتفت بين حين وآخر كأنه يراقب ما لا يراه البشر.
بعد أيام من السير الشاق، ظهرت أول قرية في الأفق.
قرية تقع بين تلّين منخفضين، يمر قربها نهر ضيق يلمع كخيط فضي تحت الشمس. وما إن اقتربوا حتى لاحظ أرام الفرق؛ الرجال هنا يتحركون بخفة صيادين لا محاربين تقليديين، يحملون رماحًا طويلة ذات رؤوس حادة بثلاث زوايا، وأقواسًا خفيفة لا تشبه ما عرفه.
الأطفال كانوا يتدرّبون منذ الصباح على تتبع الأثر، ينحنون فوق التراب، يميّزون بين خطو إنسان وخطو حيوان، ويتعلمون قراءة اتجاه الريح قبل أن يطلقوا سهمًا واحدًا.
وقف رجل طويل أمامهم، يحمل رمحًا أطول من قامته بقليل، وقال بصوت لا يعرف اللين:
«من أنتما؟»
تقدّم نجّار خطوة، كما اتفقا، وقال بثبات:
«أنا نجّار، من قبيلة بعيدة.
وهذا خادمي… اسمه أوران.»
وكان أوران هو الاسم الجديد لـ أرام.
راقب الرجل أرام بنظرة فاحصة، لكنه لم يرَ سوى رجل يخفض رأسه ويحمل المتاع بصمت. قال بعد لحظة:
«جراحك كثيرة يا نجّار.
ستبقى هنا حتى تشفى.
قبيلة نبراثا لا تردّ من يطلب المأوى.»
لم ينطق أرام كلمة واحدة.
كان ذلك جزءًا من اختفائه.
دخلوا قبيلة نبراثا، وبدأت أسابيع جديدة تُكتب بصمت.
كان أرام يعيش دور الخادم أمام الناس:
يطهو الطعام،
يجلب الماء،
يعتني بجرح نجّار.
لكن عينيه لم تكونا خامدتين.
كان يراقب رجال نبراثا وهم يتدرّبون على الرمي من مسافات تُعد ضربًا من الخيال.
كان يتعلّم كيف يُكسر الأثر خلف المسير،
وكيف يُخفى الجسد قرب الصخور،
وكيف تُقرأ الأرض كما تُقرأ الوجوه.
في الليالي، حين يخلوان، كانا يتحدثان عن آل تمران، عن الرجال الذين سقطوا، عن الرايات السوداء القادمة من الغرب، وعن سبأ التي تنتظر في الشرق كقدر لا مفر منه.
مرّت الأيام… ثم الأسابيع.
ومع دخول منتصف الشهر الثاني، وقع ما غيّر مسار الرحلة.
كان أرام واقفًا قرب ساحة التدريب، يحمل متاع نجّار، حين اقترب منهما رجل طويل، عريض الكتفين، يحمل قوسًا منحنيًا على ظهره. عيناه حادتان، وخطواته هادئة، كمن يعرف مكانه بين الرجال.
وقف أمام نجّار وقال:
«سمعتُ أنك متجه إلى سبأ.»
أجاب نجّار:
«نعم… سنرحل قريبًا.»
قال الرجل دون تردد:
«أريد مرافقتكما.
لي شأن هناك، ولا أسافر وحدي.»
تبادل نجّار وأرام نظرة قصيرة، صامتة، لكنها مليئة بالحساب. ثم سأل نجّار:
«وما اسمك؟»
ابتسم الرجل وقال:
«نِبالْيان.
لا يسبقني أثر،
ولا يفلت مني رجل إن راقبته.»
لمع الاسم في ذهن أرام.
رجل يتقن تتبع الأقدام،
دقيق الرماية،
هادئ الملامح…
سلاح يُصنع قبل أن يُستخدم.
أومأ نجّار أخيرًا:
«الطريق طويل… والرفيق الشجاع نعمة.»
ومنذ تلك اللحظة، أصبح نِبالْيان أول رجل ينضم إلى النواة الجديدة التي تتشكل حول أرام، دون أن يعرف أن الرجل الصامت الذي يحمل المتاع هو القلب الحقيقي لكل ما سيأتي.
غادر الثلاثة نبراثا بعد أيام.
نجّار في المقدمة،
أرام (أوران) خلفه،
ونِبالْيان يسير بجانبهم، عيناه على الأرض أكثر من الطريق.
كان الجميع يظن أن القائد هو نجّار،
وأن أرام مجرد تابع.
لكن الحقيقة كانت تمشي بهدوء…
كنارٍ تحت الرماد.
هكذا بدأت رحلة أرام الجديدة:
لا كقائدٍ يُشار إليه،
بل كرجلٍ يختفي ليبني نفسه من جديد،
رجل يصنع قوته من الرجال الذين يختارهم القدر…
قبل أن يختارهم هو.
وهكذا خرجوا شرقًا،
ثلاثة رجال نحو سبأ،
حيث يبدأ الطريق الذي سيعيد تشكيل الاسم…
بالدم، وبالصبر، وبولادة لا تشبه ما قبلها.
