حين يهمس المكان… فاعلم أن من تحته حياة لم تُرَ بعد.)
بعد أيام طويلة من السير، وبعد أن انقضت ستة أشهر كاملة منذ أن غادر أرام قبيلته، تغيّر وجه الأرض مرة أخرى.
لم تعد الرمال ناعمة كما كانت، بل بدأت الصخور تبرز في شكل جدران طبيعية متكسّرة، كأن الأرض تكشف عن عظامها القديمة. انكمش الطريق شيئًا فشيئًا حتى صار ممرًا ضيّقًا، ثم انفتح فجأة على وادٍ واسع، تتوسطه مياه رفيعة تتلوّى بين الحجارة كخيط فضي حيّ.
كان النهر باردًا، صافياً على غير عادة الأودية البعيدة، وصوته ينساب بهدوء كأنما يحاول تهدئة من يقترب منه.
شعر الرجال بثقل الطريق أخيرًا، فتقدّموا إلى الضفة.
نَجّار غسل وجهه بالماء، وبقي لحظة مغمض العينين كأنه يغسل أكثر من الغبار.
نِبالْيان شرب جرعة طويلة، ثم جثا يراقب التيار بعين صياد لا يثق بالمياه الهادئة.
سولان جلس غير بعيد، يفك عقدة حبل قديم ويعيد شدّها بحركات معتادة.
كارِم قلب جرابه بحثًا عن بقايا الطعام، يتمتم بشيء عن سوء الحظ.
أما سِهام، فكانت تراقب الضفتين، عيناها تتحركان أكثر من جسدها، كأنها تشم الخطر قبل أن يظهر.
وتافار… كان يحدّق في الصخور البعيدة، وكأنه يبحث عن ممر يعرفه، أو ذكرى لا يريد الاعتراف بها.
وحده أرام… لم يجلس.
كان واقفًا، يراقب الوادي كما يراقب ساحة قتال قبل أن تبدأ.
شعر بشيء غير مرئي.
ليس خطرًا واضحًا… بل حركة صغيرة، نفسًا محبوسًا، وجودًا يحاول ألّا يُرى.
رفع يده ببطء.
توقّف الجميع فورًا.
قال نِبالْيان بصوت منخفض:
«سمعتُ شيئًا… خطوة خفيفة.»
أجاب سولان بعد لحظة:
«ليس ذئبًا… الصوت أخف. أقرب لصوت طفل.»
تحرّكت عينا أرام نحو مجموعة من الأشجار اليابسة قرب الجدار الصخري.
كانت هناك كومة أغصان جافة، موضوعة بترتيب لا تصنعه الطبيعة وحدها.
أشار بيده.
سولان وكارِم انحرفا بهدوء إلى اليمين.
سِهام لامست خنجرها دون أن تسحبه.
تافار شد قبضته على رمحه.
تقدّم أرام مع نَجّار خطوة خطوة.
وحين أزاح أرام أول غصن…
خرج صوت.
شهقة قصيرة، مكتومة.
قفزت فتاة صغيرة من بين الأغصان، دفعت أرام بقوة مفاجئة لا تتناسب مع جسدها النحيل، وحاولت الركض.
لكن نِبالْيان أمسكها بذراع واحدة، بلا عنف… وبلا فرصة للهروب.
ومن داخل الجحر الصخري، خرج صبي صغير، لا يتجاوز العاشرة.
كان يرتجف، وفي يده لوح خشبي يرسم عليه خطوطًا غير منتظمة.
صرخت الفتاة بصوت مكسور، لكنه متحدٍّ:
«اتركونا! لسنا لصوصًا!»
تقدّم أرام خطوة، وخفّض صوته:
«لن نؤذيكما… لكن لماذا تختبئان هنا؟»
كانت الفتاة شاحبة، شعرها الأسود متشابك بالغبار، لكن عينيها تحملان صلابة من تعلّم النجاة مبكرًا.
نظرت إلى الصبي أولًا، ثم قالت:
«نحن من قبيلة كِمران في الجبل. قبل شهور، ضرب زلزال المكان… انهارت البيوت، مات كثيرون. لم يبقَ لنا أحد. هربنا إلى قرية قريبة… لكنهم لم يرحمونا.»
سألها نَجّار:
«ولماذا أنتما في هذا الوادي؟»
خفضت رأسها، ثم قالت:
«أجمع الأعشاب. أداوي الناس مقابل الطعام. هذه مهنتي… تعلّمتها من أمي. أعرف كيف أوقف النزيف، وكيف أخرج السم من الجرح، وكيف أساعد المريض على التنفّس.»
تبادل الرجال النظرات.
وجود معالجة في هذا الطريق… كان نعمة نادرة.
سألها أرام وهو ينظر إلى الصبي:
«وهذا أخوك؟»
أومأ الصبي بخوف.
قالت الفتاة:
«اسمه ريمان. لا يقاتل… لكنه يرى. يرسم كل ما يراه. لا ينسى طريقًا ولا وجهًا.»
مدّ أرام يده نحو الصبي:
«أرني.»
تقدّم ريمان ببطء، وناول اللوح.
كانت الرسوم بسيطة، لكنها دقيقة على نحو يربك:
مسار نهر،
حافة جبل،
وجه رجل مرّ مرة واحدة… ولم يُنسَ.
قال أرام بهدوء:
«هذه ليست موهبة عادية.»
رفعت الفتاة رأسها، وقالت بثبات:
«لا نريد أن نسرقكم. نريد فقط أن نمضي معكم. نبحث عن مكان… عن أمان.»
نظر كارِم إليها وقال:
«إلى أين؟»
ابتسمت بحزن خفيف:
«لا نعلم. نمشي… لعل الطريق يختار لنا.»
نظر نَجّار إلى أرام.
القرار ليس قراره.
تأمّل أرام وجهيهما.
رأى في الفتاة قوة تشبه نساء قبيلته،
وفي الصبي… مستقبلًا يحتاج من يحميه.
ورأى في داخله ظلّ تمرّان… القبيلة التي ماتت.
قال أخيرًا:
«ستأتيان معنا… إن أردتما.»
انحنت الفتاة برأسها، وصوتها يرتجف:
«لن نخذلكم.»
وهكذا…
أصبحوا تسعة.
سبعة محاربين،
مارانا – كما سمّاها أرام، ومعناه في لغة جبال كِمران: التي خرجت من بين الصخور،
وريمان… الصبي الذي يرسم الطرق قبل أن تُسلك.
جلسوا قرب النهر تلك الليلة.
أكلوا خبزًا يابسًا،
غسلوا جراحًا صغيرة،
وتبادلوا قصص الطريق.
كانت مارانا تشرح الأعشاب،
وريمان يرسم النار والرجال حولها.
وفي قلب أرام، وُلد يقين جديد:
أن القدر لا يجمع الأقوياء وحدهم…
بل يجمع الضائعين،
ليصنع منهم قبيلة جديدة.
قبيلة…
سيكون هو قائدها حين يحين الوقت.
