WebNovels

Chapter 15 - عيون في الظل

بعض العيون لا تبحث عن الذهب… بل عن الرجال الذين قد يغيّرون ميزان الطرق.)

حين اجتمعوا قرب السوق الكبير، لم يرفع أرام صوته، ولم يحتج إلى ذلك. كانت نظراته وحدها كافية لتوزيع الأدوار، كأن الخطة قد كُتبت في عقولهم منذ اللحظة التي دخلوا فيها مدينة العبور. أشار بيده نحو الشرق، حيث يمتد الطريق المؤدي إلى خان القوافل، وقال بصوت منخفض لكنه حازم:

— نجّار… خذ معك سولان وتافار.

جهّزوا الجمال، اشتروا لها الماء والعلف، وتأكدوا أن القافلة جاهزة للتحرك عند الفجر.

سنبيت الليلة في خان آخر… لا أريد أعينًا تحفظ وجوهنا في مكان واحد.

لم يكن في صوته قلق، بل وعي رجل تعلّم أن الخطر لا يعلن نفسه صراحة. هزّ الرجال رؤوسهم، وتفرّقوا بهدوء، كأنهم غرباء لا يجمعهم شيء سوى الصدفة.

قاد أرام البقية عبر الأزقة الشرقية، حيث تخفّ حركة السوق ويثقل الهواء برائحة الخبز المتأخر والدخان القديم. وصلوا إلى خان أصغر، منخفض السقف، مزدحم بالمسافرين الذين لا يسألون كثيرًا ولا يُسألون. قبل الدخول، توقف أرام خطوة واحدة فقط، وقال:

— لا نجلس معًا.

اثنان هنا… ثلاثة هناك… والبقية بعيدًا قليلًا.

نحن غرباء… ولسنا قافلة.

دخلوا متفرقين، وكلٌّ منهم يحمل دوره كما يحمل سلاحه.

جلست مارانا مع سِهام في زاوية شبه معتمة، حيث يمكن رؤية القاعة كلها دون لفت الانتباه.

اتخذ نباليان وتافار مكانًا قرب نافذة تطل على الزقاق، حيث يمكن تتبع الداخل والخارج.

جلس كارم مع ريمان قرب المطبخ، حيث تختلط الفوضى بالروائح، ويضيع الصوت وسط الأواني.

أما أرام، فجلس في منتصف القاعة، إلى جوار أورغُس، كأنهما مسافران يتبادلان حديث الطريق.

كان الخان يعج بالأصوات: ضحكات متقطعة، شجار خافت، وقع أقدام، وصوت أكواب تُضرب على الطاولات. لكن وسط كل هذا… كان هناك شيء واحد فقط شد انتباه أرام.

رجل يقف عند الباب.

لا يأكل.

لا يشرب.

لا يتحدث.

نصف وجهه غارق في الظل، ويداه خلف ظهره، وعيناه لا تتحركان إلا حين يتحرك أحد في القاعة. قال أرام دون أن يلتفت:

— رأيتُ هذا الرجل صباحًا في السوق…

والآن أراه هنا.

أجاب أورغُس بصوت هادئ، كصوت رمل يتحرك بلا ريح:

— من يتكرر ظهوره في المكان نفسه… لا يأتي صدفة.

لم يمهلهما الوقت لإكمال الحديث.

ارتفع صراخ حاد من الجهة الأخرى من القاعة، صراخ مزّق الضجيج كحدّ السكين. التفتت الرؤوس، وتيبست الأجساد.

كان تافار واقفًا وسط أربعة رجال ضخام، يحيطون به من كل جانب. أحدهم كان يشدّ على خنجر ذهبي أخذه من مغارة الكنز، وعيناه تلمعان بالطمع. صرخ الرجل:

— أعطنا الخنجر أيها الغريب!

الذهب ليس لك!

رد تافار وهو يضرب يد الرجل بعيدًا:

— لم يأخذ أحد منّي شيئًا… وأنا حي!

اندفع رجلان نحوه في اللحظة نفسها، لكن سولان كان أسرع من الظل. خرج من بين الطاولات، لفّ حبلًا رفيعًا حول ذراع أحدهما، وشدّه بقوة مفاجئة، فاختل توازنه وسقط أرضًا وهو يصرخ.

في اللحظة التالية، انطلق سهم صغير من تحت طاولة خشبية. لم يره أحد إلا حين استقر في يد الرجل الثاني. أطلق نباليان السهم بلا صوت، فسقط الخنجر الذهبي على الأرض قبل أن تسيل الدماء.

لكن الحقيقة ظهرت سريعًا.

فما إن بدأ الشجار حتى قفز أربعة رجال آخرين من خلف أعمدة الخان، كأنهم كانوا ينتظرون هذه اللحظة بالضبط. قال أورغُس وهو ينهض ببطء:

— هذا ليس شجار حانة…

هذا كمين.

اندفع أرام إلى وسط القاعة، لا كخادم ولا كمسافر، بل كرجل يعرف كيف يدخل المعركة دون أن يعلنها. حاول رجل يحمل سيفًا قصيرًا أن يهجم عليه، لكن أرام دفع الطاولة بقدمه، فاصطدمت بصدر الرجل وأسقطته للخلف. أمسكه من كتفه، وأهوى بمقبض الخنجر على صدغه، فسقط بلا حراك.

من الجهة الأخرى، قفزت سِهام فوق طاولة الطعام، ضربت أحد المهاجمين من الخلف بخنجر صغير، ثم اختفت بين الأجساد قبل أن تُمسك. كانت مارانا في تلك الأثناء تسحب ريمان بعيدًا عن الفوضى، تحيطه بذراعها كدرع حي.

أخرج كارم شمعة صغيرة من جرابه، أشعلها بسرعة، ورماها تحت أقدام رجلين. انفجرت بنار زرقاء خفيفة، لا تقتل لكنها تُربك، فتراجع الرجلان وهما يصرخان. استغل تافار اللحظة، وطعن أحدهما في ساقه، ليسقط أرضًا وهو يئن.

وفي تلك اللحظة، اندفع نجّار إلى القاعة بعد أن سمع الصراخ. دخل كالعاصفة، رمى أحد الرجال أرضًا، وضربه برمحِه ضربة واحدة أفقدته الوعي.

سقط ثلاثة من المهاجمين.

هرب اثنان.

والبقية تراجعوا مذعورين.

لكن أرام لم يكن ينظر إلى الجرحى… ولا إلى الدم.

كان ينظر إلى الباب.

الرجل الذي وقف هناك… لم يعد موجودًا.

اختفى.

كأنه لم يكن.

قال أرام بصوت منخفض وهو يحدّق في الفراغ:

— هذا الهجوم مقصود…

أحدهم أراد أن يختبر قوتنا، لا أن يسرقنا.

اقترب أورغُس وقال:

— والعيون في المدن لا تنام.

علينا أن نتحرك… قبل أن تعود.

لم يناقش أرام. التفت إلى رجاله وقال:

— لن نبقى هنا لحظة أخرى.

نجّار… خذ الجميع إلى الخان الجنوبي.

نغادر الآن.

جمعوا أغراضهم بسرعة، خرجوا من الخان عبر الأزقة المظلمة، حيث تبتلع الظلال الخطوات. وصلوا إلى خان صغير، بعيد عن الضجيج، وأغلقوا أبوابه بإحكام.

هناك فقط… سمحوا لأنفاسهم أن تهدأ.

جلس أرام قرب نافذة صغيرة، يراقب المدينة التي لا تنام. قال أورغُس:

— لا أحد يتبعنا الآن.

لكن الرجل الذي رأيته… سيعود.

أجاب أرام بهدوء ثقيل:

— ولن يجدنا.

نغادر عند الفجر… قبل أن تفتح المدينة عينيها.

ناموا تلك الليلة نومًا متقطعًا، نوم رجال يعرفون أن الطريق لم يعد خفيًا.

وفي الفجر…

قبل أن يشرق أول ضوء،

كانت قافلة أرام تتحرك،

تاركة خلفها مدينة بدأت تلاحظ

أن غرباء مرّوا من هنا…

ولم يكونوا كباقي الغرباء.

More Chapters