WebNovels

Chapter 20 - وادي الصدى

حين يتكلم الصمت… تعرف أن شيئًا أقدم منك قد استيقظ)

كانت الصحراء صامتة دائمًا،

لكن صمت تلك الليلة كان مختلفًا؛ ثقيلًا، خانقًا، كأنه يحمل سرًّا لا يريد أن يُقال، بل أن يُحَسّ فقط.

بعد أيام طويلة من السير، وبعد النجاة من فم الرمال المتحركة، وصلت مجموعة أرام إلى بئرٍ قديم يقع في منخفضٍ تُحيطه تلال صخرية داكنة، مكان يعرفه أورغس جيدًا، ويُسمّى بين أهل الصحراء وادي الصدى.

مكانٌ لا يُقصَد إلا للضرورة، لأن الأصوات فيه لا تموت… بل تعود.

كانوا بحاجة إلى الماء، وإلى راحةٍ قصيرة تعيد ترتيب الأنفاس، لكن التعب لم يكن وحده ما أثقل القلوب؛ ذلك الإحساس الخفي بأن شيئًا ما يتبعهم، يراقبهم من مسافة لا تُقاس بالخطوات.

مع حلول الليل، نُصبت الخيام قرب البئر، وأُشعلت نار صغيرة، نار خجولة تكاد تُخفي نفسها من برد الصحراء.

القمر كان نصف دائرة شاحبة، معلّقًا في السماء كعينٍ متعبة… والريح ساكنة على غير عادتها.

ثم بدأت الأصوات.

لم تكن صرخة واحدة، بل تموّجات صوتية غريبة،

تخرج من عمق الصحراء،

ترتطم بجدران الجبال القريبة،

ثم تعود إليهم مضاعفة،

كأن الأرض نفسها تتنفس…

وكأن الصمت يختبرهم بصوتٍ لا يريد أن يُفهم بسهولة.

شدّ نباليان قوسه ببطء، وقال بصوت منخفض:

“هذا صوت حيوان… لكنه ليس حيوانًا أعرفه.”

اقترب ريحان، نثر قليلًا من الرمل بين أصابعه، وأصغى لطريقة سقوطه، ثم قال:

“لا… هذا صوت بشر، لكن ليسوا بشرًا عاديين.”

تبادل الرجال النظرات.

قال تافار بقلقٍ لم يستطع إخفاءه:

“قد يكونون رجال الرمال… أو ذلك الرجل الغامض.”

لكن أورغس لم يقل شيئًا.

جلس قرب النار، أغمض عينيه، وأنصت كما لو كان يستمع لذكرى قديمة… ذكرى يعرفها ويخشاها في آنٍ واحد.

ثم جاءت العلامة.

الخيول اضطربت فجأة، صهلت بصوتٍ حاد، وبدأت تضرب الأرض بقوائمها، تتراجع وتتوتر، كأن شيئًا غير مرئي يقترب.

قال سامر وهو يقبض على مقبض سيفه:

“هذا ليس عدوًا عاديًا… الخيل لا تخاف هكذا.”

وقبل أن يتحرك أحد،

ارتفعت صرخة طويلة من عمق الصحراء،

صرخة لا تشبه صوت بشر،

ولا حيوان،

ولا ريح.

كانت تحمل معنى…

تحمل نداءً…

لكن أحدًا لم يفهمه.

عدا رجلًا واحدًا.

فتح أورغس عينيه ببطء، وقال بصوت خافت كمن ينطق اسمًا محرّمًا:

“أعرف هذا الصوت…

إنه ينادي.”

اقترب أرام منه خطوة واحدة:

“من؟”

أجاب أورغس:

“إنه أوشان…

رجل الريح والماء.”

لم يفهم أحد، لكن الصمت الذي أعقب الاسم كان أبلغ من أي شرح.

قال أورغس بهدوء غريب:

“أريد إذنك يا أرام…

سيأتي إلينا الآن شخصٌ لا يمكن منعه.”

تصلبت الأجساد.

من يجرؤ على دخول معسكرهم في هذه الليلة؟

ومن يملك القدرة على جعل الخيل ترتجف قبل أن يظهر؟

وفجأة…

انطفأت النار للحظة، ثم اشتعلت من جديد،

كأن ريحًا مرّت من خلالها دون أن تُحرّك شيئًا حولها.

ظهر رجل عند أطراف الضوء.

كان طويل القامة، نحيل الجسد، يتحرك كأن مفاصله تسبح في الهواء لا تمشي على الأرض.

عيناه…

عينان زرقاوان بالكامل، بلا بؤبؤ، بلا حدقة،

عينان لا ترى…

أو ترى ما لا ينبغي للبشر أن يروه.

لكن الأغرب لم يكن هو،

بل ما رافقه.

ثلاثة ضباع.

هادئة.

مستأنسة على نحوٍ يثير الرعب.

تسير حوله كأنها حراسه… أو أولاده.

عيونها لا تفارق الرجال.

وقف الرجل قرب البئر، رفع يده ببطء،

فارتفعت مع الريح رائحة طينٍ رطب…

رائحة مطرٍ قادم،

رغم أن السماء كانت صافية.

قال أرام بصوتٍ مشدود:

“من أنت؟”

لكن الضبع الأكبر أطلق زئيرًا منخفضًا،

لم يكن زئيرًا حقيقيًا،

بل محاولة للكلام.

قال أورغس بثقة لا تشبه أي ثقة عرفوها منه:

“إنه أوشان…

يعرفني، وأعرفه.”

جلس أوشان قرب النار،

وترتّبت الضباع الثلاثة حوله في دوائر،

كأنها تصنع له عرشًا من الأمان.

مدّ أوشان يده نحو أرام.

كان يطلب أن يمسك يده.

تردد أرام…

لكن شيئًا في عيني الرجل جعله يستسلم.

وحين تلامست اليدان…

انهالت الرؤى.

رأى أرام زوجته يوم أخبرته بحملها،

ورأى دم قبيلته يسيل على الرمال،

ورأى الرجل الغامض واقفًا على قمم الجبال،

ورأى طريقًا طويلًا ينتهي ببابٍ عظيم تحت الأرض،

ورأى دمًا سيُسفك…

ليس دمه،

بل دم أحد رجاله.

سحب أرام يده فجأة.

كان قلبه يخفق بعنف.

قال أوشان بصوتٍ يشبه الريح وهي تمر عبر الكهوف:

“أنت محاطٌ بنهاية وبداية…

وما فقدته لن يعود

قبل أن تصل إلى المكان الذي خُلِقت لأجله.”

اقترب تافار بخطوة مترددة:

“اقرأني أنا أيضًا.”

مدّ يده.

أمسكها أوشان لحظة قصيرة فقط،

ثم تركها فجأة.

تراجع تافار خطوتين.

وجهه شاحب،

يده ترتجف.

سألته سِهام بخوف:

“ماذا رأيت؟”

لم يُجب.

لكن أرام فهم.

أوشان رأى موت تافار… يقترب.

جلس الرجل الغريب بينهم، أكل من زادهم دون خوف،

كأنه واحد منهم منذ سنين.

وقبل أن يرحل، وضع أمام أرام شيئين:

أربع عيدان حجرية داكنة، تشبه الفحم، لكنها تشعّ بضوء خافت. منشورًا زجاجيًا طويلًا، يلمع بألوان لا تظهر إلا حين تلمسه الريح.

قال أوشان:

“بدون هذه… لن تعود.

وأنا… سأنتظرك.”

أطلق صفيرًا خافتًا.

تقدمت الضباع الثلاثة،

وسارت معه في الظلام،

حتى اختفى صوته،

ثم اختفت آثار أقدامه…

كأن الأرض لم تمسه.

بقي الرجال في صمتٍ طويل.

كل واحد يراجع ما سمعه وما رآه.

لكن أكثرهم صمتًا كان تافار…

لأنه وحده أدرك أن رحلته

ستَنتهي

قبل أن تصل القافلة إلى سبأ.

More Chapters