حين تناديك الريح باسمك… فهي لا تطلب إذنًا.)
توقّفت القافلة عند واحة ضيّقة تحاصرها أشجار نحيلة، جذوعها ملتوية كأنها أيدٍ تشبثت بالحياة في آخر لحظة. كان الماء قليلًا لكنه صافٍ، والهواء ساكنًا على غير عادة الصحراء، سكونٌ يوهم بالطمأنينة أكثر مما يمنحها. نصب الرجال خيامهم، وتفرّقوا بين ظلّ الشجر ونارٍ خافتة، لكن أرام لم يجد في الهدوء راحة.
حين أغمض عينيه، لم ينم… بل عاد.
عاد إلى قريته المدمّرة.
الغبار يعلو حتى يخنق الضوء،
والبيوت التي حفظ زواياها صارت رمادًا،
وأصوات بشرٍ تتكسّر تحت الدخان قبل أن تصل.
رأى ميرا—وجهها مغطّى بالتراب—تمدّ ذراعيها نحوه، وتقول بصوتٍ يتلاشى:
«عد إلينا…»
كلّما خطا خطوة، قامت عاصفة رمادية وابتلعتها.
ثم رأى أمّه على الأرض، تحاول النهوض، لكن الدخان غمر ملامحها حتى اختفت.
وأخيرًا… جاء الصوت.
صوت صغير، أثقل من كل الصرخات:
«أبي…»
طفلٌ لم يره من قبل.
عيناه عيناه.
وملامحه ملامح ميرا.
مدّ أرام يده، فانغلقت العتمة حول الطفل وسحبته بعيدًا.
انتفض أرام من نومه، العرق يبلّل جسده، والصوت ما يزال عالقًا في صدره. نهض دون أن يوقظ أحدًا، أخذ لجام وَبَار، وابتعد عن القافلة حتى بلغ صخرة عالية تطلّ على نصف الصحراء. رفع وجهه للسماء، لا يطلب جوابًا بقدر ما يطلب احتمالًا.
عندها هبّت ريح خفيفة، تحمل رائحة أرضٍ مبتلّة—رغم أن المطر لم ينزل.
ثم جاء الصوت… لا من فمٍ، بل من داخل الريح.
عرفه فورًا.
أوشان.
خرج من الظلال كأنه انشقاق في الليل، خطواته بطيئة، وثلاثة ضباع تمشي خلفه بهدوءٍ مهيب. الغريب أن وَبَار لم يجفل؛ نظر إليهم بحذرٍ مطمئن، كأن الفرس يعرف أن هذه ليست حيوانات عادية.
كان أوشان يحمل قارورة زجاجية صغيرة؛ داخلها نارٌ ودخان، يتحرّكان كروحٍ محبوسة. وضع أرام يده على سيفه بحذر.
قال: «كيف وصلت؟ لا خيل… ولا جمل.»
ابتسم أوشان ابتسامة لا تظهر إلا نصفها:
«الريح تحمل من تشاء… ومن لا يفهم الريح لا يفهم الطريق.»
تقدّم خطوة، وصوته صار أقرب إلى الهمس:
«لا تخف يا أرام. الريح معي، والماء يسمعني، والرمال تمشي خلفي.»
سكت لحظة، ثم قال بما يشبه الوحي:
«يجب أن تُكمل الطريق إلى جبل النجوم… وحدك.»
ارتجف قلب أرام.
«ولِمَ وحدي؟»
نظر أوشان إلى القارورة، وقال:
«هناك ما ينتظرك. لن تراه بخيالك، ولا بخوفك، ولا برجالك. لقد وُلد ابنك قبل أوانه… وكانت تلك الإشارة.»
انقبض صدر أرام.
«هل أنت متأكد؟ كيف علمت؟ وكيف حاله؟»
أجاب أوشان دون أن يرفع عينيه:
«خروجه قبل أوانه علامة على أنه ليس كغيره. رفض أن يبقى أسير الرحم؛ قدره كان أسرع. من يترصّد يوم ولادته تاه الآن، لأنهم ينتظرون بعد شهرين… وابنك جاء اليوم. منحك وقتًا إضافيًا. اذهب إلى جبل النجوم، فالإشارة وصلت: أنت من يستحق ما هناك.»
سأل أرام بصوتٍ مبحوح:
«وما هو؟»
لم يُجب أوشان.
رفع القارورة قليلًا، فانشقّ فوقهما خيط ضوء رفيع، كأن النجوم ذابت وسارت في الهواء.
في تلك اللحظة سمع أرام أصوات رجاله من بعيد.
«أرام! أين أنت؟»
أجاب: «أنا هنا!»
وحين عاد ببصره… لم يجد شيئًا.
لا أوشان، ولا ضباعًا، ولا دخانًا.
كأن الريح ابتلعته.
عاد أرام إلى القافلة بوجهٍ لم يعرفه أحد. جلس بينهم وقال بهدوءٍ قاطع:
«سأغيب يومين. سأذهب وحدي إلى جبل النجوم.»
قال نباليان بحدة: «الطريق مليء بالكمائن.»
وقال نجّار: «لن نتركك وحدك.»
رفع آرغوس يده. كان الوحيد الذي فهم.
«إن طلب أوشان ذلك… فلا تمنعوه. هؤلاء ليسوا رجالًا؛ هم بين الريح والماء. إن قال شيئًا… فهو يحدث.»
نظر أرام إلى نجّار:
«أوصيك بالقافلة. انتظروني عند الوادي الذي اتفقنا عليه.»
أجاب نجّار: «أعدك.»
وضع أرام يده على لجام وَبَار، وألقى نظرة طويلة على رجاله.
«إن لم أعد… أكملوا الطريق إلى سبأ. ستجدون الإجابة هناك.»
وانطلق.
غادر الليل وحده، ترافقه الرمال، متجهًا إلى جبل النجوم—
حيث ينتظره قدرٌ لم يفصح عنه أوشان،
ولا حتى الريح.
وفي الصباح، تابعت القافلة طريقها بلا قائد.
لكن ظلّه بقي معهم،
يثقل الهواء…
كأن الصحراء نفسها تعلم أن هذا الانفصال
لن يكون عابرًا.
