WebNovels

Chapter 23 - جبل النجوم

حين يقودك الصمت، تصبح العلامات أوضح من الأصوات.)

كانت الصحراء في ذلك الصباح أشبه ببحرٍ ساكن، لا تموّجه ريح ولا تكسره خطوات. الهواء ينساب فوق الرمال بهمسة خفيفة، كأنه يحاول ألّا يوقظ شيئًا نائمًا تحت السطح. امتطى أرام فرسه وَبَار، واتجه شرقًا، وحده كما قُدّر له، مستعيدًا كلمات آرغوس التي حفرها في ذاكرته بدقة رجل عاش عمره يقرأ الريح كما تُقرأ الخرائط.

«سترى صخرة سوداء منفردة…»

«بعد مسيرة ساعتين، تعبر مجرى ماءٍ جاف…»

«ثم ثلاث شجرات مائلة، كأنها تقاوم السقوط…»

كل علامة كانت تظهر في وقتها، وكأن الطريق يعرفه كما يعرف هو الطريق. ومع كل إشارة، كان أرام يشعر أن خطواته لا تقوده فحسب، بل تُستدعى. لم يكن معه سوى وَبَار، وكيس صغير من الزاد ليومين، وقليل من الماء، وتلك القطع الغامضة التي رافقته منذ لقاء العرّافة وأوشان. ومع ذلك، لم يشعر بالخوف.

بعد أن رأى قريته تحترق في رؤياه، وبعد أن سُحب كل ما يحب من بين يديه، لم يعد في الدنيا ما يكسر قلبه. كان يمشي بفراغٍ صلب، بثبات رجل لم يعد يملك ما يخسره.

سار منذ الصباح حتى آخر شعاع من الضوء. جرّب قسوة الشمس، ثم برد الليل، لكن وَبَار لم يتردد خطوة. كان الفرس يمضي بثقة، كأنه يدرك أن هذه الرحلة ليست كغيرها، وأن نهايتها ليست حيث ينتهي الطريق.

في آخر الليل، ظهر جبل النجوم.

لم يكن جبلًا عاديًا. كان كتلة صخرية ضخمة، هرميّة الميل، تنقع قمّتها في ضوء القمر كأنها تلتقطه بيدين حجريّتين. وقف أرام لحظة يتأمله، ثم بدأ الصعود.

كان الطريق قاسيًا:

صخور حادّة تشقّ الجلد،

فجوات ضيّقة لا تسع قدمًا مترددة،

منحدرات كادت أن تلقي به في العتمة،

وأصوات خافتة تتسرّب من داخل الجبل، لا تشبه الريح.

وحين تعثّر للمرة الأولى، جاءه الصوت.

«إلى اليسار… الآن.»

تجمّد أرام، التفت حوله، فلم يرَ أحدًا. كان الصوت واضحًا، رهيفًا، آتيًا من لا مكان—من الهواء نفسه. ثم تكرر الهمس عند كل عقبة:

«ارفع قدمك الآن…»

«انتبه للصخرة المائلة…»

«لا تلمس الحافة…»

في البداية تساءل، ثم فهم. أوشان يتبعه، لا بجسد ولا بظل، بل بإرادة لا تريد أن تُرى. كان الدليل حاضرًا، دون أن يظهر.

بعد صعودٍ طويل، وصل أرام إلى فتحة صغيرة في الجبل. لم تكن بابًا ولا نفقًا، بل ظلًا غريبًا في الصخر. ومع ذلك، شعر بقلبه يثقل—هذا هو المكان. حاول الدخول، فتوقّف. كأن جدارًا غير مرئي صدّه.

بحث حول المدخل، فلم يجد سوى ميزان حجري صغير إلى جانبه: كفّتان من الصخر، وفي إحداهما حجر أبيض مربّع، ناعم الملمس. جلس أرام، أغمض عينيه، وتذكّر كلمات العرّافة:

«خذ ما تحتاج إليه… فقد يأتي يوم لا تعرف فيه ما هو إلا عند الحاجة.»

فتح حقيبته. أخرج الحجر الأسود المربّع الذي تركته له العرّافة. حين لامسه نور القمر، تلألأ تلألؤًا خافتًا، كأن الحجر يتنفّس. اقترب من الميزان، ووضع الحجر الأسود في الكفّة الفارغة.

اهتزّ الهواء.

ارتعش الظل.

وانشقّ الضوء من الداخل.

ظهر باب حجري ضخم، كأنه كان موجودًا دائمًا، لكنه محجوب عن العيون. دخل أرام.

كانت الغرفة داخل الجبل واسعة، هادئة، مضاءة بنور لا يُعرف مصدره. لا مشاعل، ولا نوافذ، ولا أثر لخطوات بشر. وفي وسطها—وحده—كان هناك بوق ضخم، مصنوع من معدن غريب، منقوش بنجومٍ دقيقة، ومربوط بسلسلة قديمة.

لا صندوق.

لا كتاب.

لا سلاح.

فهم أرام في اللحظة نفسها: هذا هو المقصود. هذا ما أُرسل لأجله. حمل البوق بيديه، فشعر بحرارةٍ تسري فيه، حرارة ليست حرارة معدن، بل نبض. حاول أن ينفخ فيه… فلم يصدر صوت. لا صدى، لا هواء، لا شيء. كأنه ينتظر زمانًا غير هذا، أو مكانًا غير هذا، أو رجلًا غير الذي يحمله—أو لعلّه ينتظر اكتمالهم جميعًا.

خرج أرام من الغرفة. نظر إلى الميزان، فوجد الحجر الأسود قد اختفى. لا أثر له. قال في نفسه بهدوء: «ربما هذا ثمن الدخول.»

ربط البوق في كيسٍ جلدي، وصعد إلى صخرة عالية خارج الجبل. أخرجه مرة أخرى، رفعه نحو السماء، ونفخ بقوة. لم يخرج صوت، لكن الهواء اهتزّ اهتزازًا خفيفًا، كأن الجبل نفسه أجابه. ابتسم أرام ابتسامة قصيرة، ثم أعاد البوق إلى مكانه.

قبل أن يغادر، نظر إلى قمّة جبل النجوم. خُيّل إليه أنه رأى ظلّ رجلٍ يقف هناك، يراقبه. وحين رمش بعينيه… لم يكن أحد.

ركب وَبَار، واتجه إلى الموضع الذي اتفق عليه مع آرغوس. في اليوم التالي، كانت القافلة قد تابعت مسيرها من دونه، ولم يعد يفصلهم عن اللقاء سوى أيام قليلة.

أما البوق…

فكان نائمًا في صمته،

ينتظر اليوم الذي يُفتح فيه صوته،

ويُستدعى ما خُبّئ لأجله.

More Chapters