WebNovels

Chapter 17 - رياح لا تُرى

( في الصحراء، لا يُسأل الرجل من يكون… بل كم يستطيع أن يصمد )

غادرت القافلة آخر أطراف قرية سَدارا مع انطفاء ضجيجها خلفهم، كأن المدينة أغلقت بابها عليهم وتركتهم للصحراء وحدهم. شيئًا فشيئًا، اختفت روائح التوابل والجلود، وحلّ محلها هواء جاف لا يحمل سوى رائحة الرمل الساخن.

امتدت الصحراء أمامهم بلا نهاية، بحرٌ أصفر يتغيّر شكله مع كل خطوة، كأنه يتحرك ببطء بينما يظن العابرون أنهم هم من يسيرون.

مرّت ستة أيام من المسير المتواصل، أيّام ضاعت فيها الخطوط الفاصلة بين الأرض والسماء، حتى صار الأفق خدعة بصرية، لا يُعرف أين يبدأ ولا أين ينتهي.

لم تعد الصحراء أرضًا تُعبر، بل كيانًا يُختبر.

امتدّ الرمل بلا نهاية، متماوجًا كبحرٍ بلا شاطئ، والسماء فوقه شاحبة كأنها فقدت لونها من فرط النظر إلى الفراغ.

لم يعد أحد يتحدث عن المسافة… صار الحديث عن الماء.

كانت القِرَب تُفتح بحساب، كل رشفة تُقاس بالعين قبل الفم.

حتى الجمال، التي اعتادوا الثقة بصبرها، بدأت تُبطئ خطاها، أعناقها تميل أكثر من اللازم، وأنفاسها تخرج ثقيلة.

قال سامر في إحدى الوقفات، وهو يمسح العرق عن عنقه:

“لم أقطع صحراء بهذا الامتداد من قبل… إن أخطأنا التقدير يومًا واحدًا، لن تنقذنا الشجاعة.”

نظر قَيدان نحو أورغس مباشرة:

“هل أنت واثق من الطريق؟”

لم يُجب أورغس فورًا، بل ركع على الرمل، أمسك حفنة منه، تركها تنساب بين أصابعه، ثم قال:

“الصحراء لا تُقاس بالخرائط… بل بالنَفَس. ونحن ما زلنا نتنفس.”

لكن كلمات الطمأنة لم تمنع أول شرخ داخلي.

تافار بدأ يراقب توزيع الماء أكثر مما يراقب الأفق.

نباليان صار يشدّ على جرابه كل ليلة.

وكارم همس لأرام ذات مساء:

“إن أخطأ الدليل… فالخطأ هنا لا يُغتفر.”

 

كان أورغس يقود القافلة بثقةٍ تثير الطمأنينة والريبة معًا. لا يشرح كثيرًا، لا يتردد، يشير أحيانًا بعصاه نحو بقعة بعيدة ويقول:

“هناك سنبيت… الصحراء تخفي ماءها عمّن يجهلها، وتكشفه لمن يفهمها.”

وفي صباح اليوم السابع، قادهم بين كثيبين عظيمين إلى بئر قديم، مطوّق بأحجار سوداء أكلتها الشمس والريح. بدا المكان ميتًا، لكن حين أُنزل الدلو، خرج الماء باردًا صافيًا، كأنه لم يمسّه زمن.

قال أورغس:

“نرتاح هنا الليلة… وغدًا نتحرك قبل أن تصحو الريح.”

كانت الجملة أثقل من مجرد خبر.

ناموا في حلقة واحدة، الجمال مربوطة قريبة، والنار صغيرة لا تجرؤ على التمدد.

كانت الليلة هادئة على نحوٍ غير مريح، هدوء يشبه أنفاس شخص يراقب من بعيد.

وقبل الفجر بقليل…

تغيّر كل شيء.

تحرّك الرمل ، وصدر الصوت ، لم يكن صوتًا واضحًا، بل إحساسًا.

كأن الأرض نفسها تغيّر وضعها.

 

فتح أرام عينيه في اللحظة نفسها التي أدرك فيها:

الجمال… ليست هنا.

الخيول… ليست هنا.

وأورغس… غائب.

وقبل أن يصرخ أحد، انفجرت حفنة رمل في الهواء، أعمت الأبصار، وتحوّل السكون إلى فوضى.

ظهروا من كل اتجاه.

رجال بلون الرمل.

وجوه مغطاة.

عيون ثابتة لا تهدر.

قالت سِهام بصوت مرتجف:

“هؤلاء ليسوا قطاع طرق…”

ورد صوت خشن من الظلال:

“قبيلة الريح.”

بدأ القتال… لكنّه لم يكن قتالًا عاديًا.

الرمل يُرمى لا ليُصيب، بل ليُضلل.

الظلال تُصنع لتخدع.

الأرض نفسها تُستخدم كسلاح.

حاول نباليان الرمي، لكن الهدف لم يكن حيث يبدو.

شدّ سولان حبلًا، فانفك قبل أن يكتمل.

قفز سامر وقَيدان بخفة الخيل، لكن الرمل خان أقدامهما.

وسط الفوضى، أدرك أرام شيئًا أخطر من الهجوم:

هؤلاء لا يريدون القتل… بل الاختبار.

وفجأة، تغيّر الهواء.

سكونٌ غريب.

صوت خافت يشبه زفيرًا عميقًا يخرج من باطن الأرض.

تجمّد رجال قبيلة الريح دفعة واحدة.

صرخ أحدهم:

“نَفَس الصحراء!”

توقّف كل شيء.

اقترب قائدهم، ورفع يده:

“لا دم هنا. من يقاتل عند نَفَس الصحراء… تلعنه الرمال.”

قال أرام بحدة هادئة:

“إذن لماذا هاجمتمونا؟”

ردّ القائد:

“نختبر من يدخل عمق الشرق.

من يخطئ في أول اختبار… لا يستحق النجاة.”

وقبل أن يرد أحد، تقدّم شاب من صفوفهم.

حركته مختلفة.

عيناه ثابتتان، لا تحملان عداءً.

قال:

“لقد نجوا من اختبار الريح… لكنهم سيفشلون في الذي يليه.”

سأله أرام:

“ولماذا؟”

أجاب الشاب:

“لأنهم يسيرون بلا رجل يعرف الرمل من داخله.”

سكت الجميع.

ثم قال الشاب:

“اسمي ريحان.

وحسب قانون قبيلتنا… من يرى قائدًا لا ينكسر عند الخداع، يحق له أن يترك القبيلة ويتبعه.”

نظر القائد إليه طويلًا، ثم قال:

“إن ذهبت… فلا عودة.”

أجاب ريحان:

“الريح لا تعود.”

انسحبت قبيلة الريح كما جاءت.

ذابت في الرمل.

وبقي ريحان.

بعد ساعات، عاد أورغس يقود الجمال والخيول.

قال بهدوء:

“أخفيتهم قبل الهجوم. لو بقوا… لانتهى كل شيء.”

لم يعترض أحد هذه المرة.

في تلك الليلة، جلس ريحان قرب النار، قال:

“قاعدتنا الأولى:

لا تثق بما تراه عينك.

القاعدة الثانية:

الرمل لا يخون… من يخونه هو العجَل.

والثالثة…”

نظر إلى أرام:

“القائد الحقيقي لا يقود بالصرخة، بل بالثبات.”

كانت الصحراء من حولهم صامتة.

لكن الجميع شعر بشيء واحد:

الطريق دخل مرحلته الأخطر.

والرجال… بدأوا يتغيرون.

 

More Chapters