WebNovels

Chapter 1 - الفصل 0: عبر الزمان... كُتبت الحكاية

قبل ستة عصور…

لم تكن الأرض تعرف اسمًا، ولا السماء تهمس بشيءٍ عن الغد.

كان العالم وحشًا خامدًا، ينتظر أي إشعال ليفتح فكيه ويبتلع كل محاولة للنور.

لم تكن هناك ممالك، ولا رايات، ولا قوانين.

بل كان كل شيء يُحكم بقانون واحد…

"النجاة للأقوى، والهلاك للضعيف."

قبائلٌ تعيش في الكهوف والغابات، جلود الحيوانات لباسهم، الحجارة والخشب سلاحهم، وأصوات الغريزة هي القانون الوحيد الذي يُسمع.

كان البشر أشبه بأشباح تعيش في أجسادها…

قبائل متناحرة تمزّق بعضها… فوضى تسيل كدمٍ لا ينقطع… لا تاريخ، لا تعليم، لا حكمة… فقط الافتراس.

لكن، حين يتشقق الظلام بأضعف خيط ضوء… يظهر الأمل.

ومن هذا الخيط… ولدت قبيلة لوزرين.

قبيلة لا تشبه غيرها، رجالها لم يروا القوة في السيف، بل في التنظيم. ونساؤها لم يُجبرن على الصمت، بل نطقن بالأحلام. كانوا أول من آمن أن الإنسان… يمكنه أن يكون أعظم من وحش.

"سنصنع حضارة، لا قبيلة.

سنصنع مملكة، لا عشيرة.

سنصنع قانونًا، لا مخالب."

هكذا قال أول ملك لوزرين، كريوفين لوزرين.

بدأ الحلم.

بدأت الصخور تُقطع لبناء جدران، وبدأت الجدران تُحفر عليها الرموز، وبدأت الرموز تتحول إلى علم.

رُفع أول عرش، كُتب أول ميثاق، صُنعت أول راية…

وفيها قيل لأول مرة في تاريخ البشرية:

"لن يُولد الحاكم من الدم، بل من العدل."

بُنيت أول مملكة: مملكة لوزرين.

كانت صغيرة… لكنها كانت أول من حلم.

لكن كما يُولد النور… يُولد الحسد.

مرت سنتان فقط، وكانت القبائل الأخرى لا تفهم ما يحدث، كل من يعيش في الظلام… يكره النور.

كل من لا يفهم النظام… يهاجمه.

اجتمعت القبائل… تحالفت الكراهية.

لم تُعلن حربًا، بل هجمت كالسيل…

ليلٌ صامت، ونار مفاجئة.

حُرقت القصور، ذُبحت العائلات، سُرقت الرموز…

كل حلمٍ كُسر وسُحق تحت أقدام الوحشية.

سقطت لوزرين. وتناثر الناجون.

الملك أُجبر على الفرار… أطفاله حُمِلوا في ظلال الجبال… والحلم الذي بدأ بنور، اختُتم بدمٍ ودخان.

بعد خمسة عشر عامًا…

كان الوقت ظهيرةً، والشمس مسمّرة في كبد السماء، تصبّ وهجها على العالم بلا رحمة. الهواء حارٌّ ثقيل، والأرض ساكنة كأنها تحبس أنفاسها انتظارًا لشيءٍ لا يأتي. في قلب ساحةٍ رمليّة، ظلّ مشهدٌ واحد يتكرّر منذ شهورٍ طويلة بلا انقطاع.

فتى أبيض الشعر يقف وسط الغبار، يواجه ظلّه وحده.

ذراعه مبتلّة بالعرق، وأنفاسه تتصاعد من صدره كزفرات نارٍ مكتومة، وسيفه يعلو ويهبط بإيقاعٍ صارم لا يعرف التردّد. كل ضربة كانت تحمل حكايةً مؤلمة، وكل خطوة تعيد إلى ذاكرته صورة مملكةٍ احترقت حتى العظم. كانت يومًا قريةً صغيرة، لكن حلمه كان واسعاً جداً.

ذلك الفتى كان إيسكالدور؛ ابن الملك، ذو 20 عاماً، ووارث عرشٍ تمزّق قبل أن يكتمل.

شقّ حرّ الشمس حضورٌ آخر، حضورٌ أنثوي خفيف وساخر، حاول كسر عزلة اللحظة. لم يلتفت إيسكالدور، بل أدار سيفه بعنفٍ خاطف، فانطلق النصل مخترقًا الهواء ليستقر في الرمال على مقربةٍ من قدمي القادمة الجديدة. كانت الحركة كافية لتعلن رفضه لأي تشتيت، ودعوته الصامتة للمواجهة.

تقدّمت نيفاريا، ابنة عمّه، بشعرها الجليدي الذي يعكس الضوء، وبعينين تقدحان خبثًا ناعمًا يخفي حدّة لا يُستهان بها. لم تتأخر؛ سحبت سيفها بخفةٍ مألوفة، وانطلقت نحوه كما لو أن الرمال نفسها تدفعها.

اشتعلت الساحة من حولهما. سيفٌ يصدّ سيفًا، وخطوةٌ تتبعها أخرى، وحركات متلاحقة ترسم خطوطًا حادّة في الهواء. لم يطل الأمر كثيرًا حتى أفلت سيف من يدها، دافعًا نفسه بعيدًا تحت ضغطٍ محسوب لا يعرف الرحمة.

توقّف إيسكالدور أمامها، جامدًا كنصلٍ مغروس في الصخر، وحدّق في عينيها بثباتٍ لا يلين. كانت نيفاريا، رغم خسارتها، تقف بكسلٍ متعمّد، تشبك يديها خلف ظهرها، وقسماتها تمزج البراءة بالاستهزاء كما اعتادت دائمًا.

لكن الحركة توقّفت، والسيوف هدأت، فيما شيءٌ آخر اشتعل. النار في عيني إيسكالدور لم تكن نار تدريب، بل نار قرارٍ قديم لم يخمد يومًا. في داخله كان وعدٌ يتردّد بلا صوت: استعادة المملكة، ومحاسبة كل يدٍ امتدّت إليها، واحدًا تلو الآخر.

لم يكن ما يسكنه تمرّد شابٍ طائش، بل إعصارٌ محبوس في جسد إنسان. كان مختلفًا عن والده، مختلفًا عن كل من قبل بالأمر الواقع. بالنسبة له، لم يكن الهروب خيارًا حين يُسرق البيت من أهله.

اقتربت نيفاريا خطوة، ونظرتها هذه المرّة لم تكن ساخرة تمامًا؛ كان فيها قلقٌ خافت، ووعيٌ بثمن التحدّي. ومع ذلك، لم يتزحزح إيسكالدور. عزيمته كانت صلبة، ونواياه تتّجه نحو الرحيل القريب، نحو طريقٍ لا عودة منه.

في تلك اللحظة، طُرح السؤال المصيري بلا كلمات: هل سترافقه؟

كانت الإجابة مكتوبة في ابتسامةٍ ارتسمت على شفتيها، تلك الابتسامة التي عرفها منذ طفولته، ابتسامة إعلان الحرب الخاصّة بها. فهم إيسكالدور ما وراءها؛ فهي لم تكن أقلّ شغفًا بالانتقام منه، وربما كانت أشدّ تعطّشًا.

أخرجت سيفها من خلف ظهرها بحركةٍ سريعة لا تُرى، أدارت المقبض بين أصابعها برشاقةٍ متقنة، ثم رفعته أمام عنقها في إيماءةٍ تمزج الإغواء بالتحدّي، قبل أن تمرّ من أمامه بثقة.

ارتسمت على ملامحه ابتسامة نصرٍ هادئة، ابتسامة من يعرف أن ما قيل لم يكن سوى اعترافٍ غير مباشر. كان يدرك أن نيفاريا تشبهه أكثر مما تُظهر؛ كلاهما شعلة كامنة، لا ينقصها سوى شرارة لتشتعل.

تنفّسها المتثاقل وحركاتها المتمردة لم تكن إلا قناعًا رقيقًا يخفي تعطّشها القديم للقتال والمواجهة.

تنهدت بتململٍ متعمّد، ورفعت يديها بحركة تمثيلية لا تخفي قرارها الحقيقي؛ لم تكن مرافقته بدافع الحكمة، بل لأن تهوّره يشبه نارًا لا تُترك بلا مراقبة.

أشارت بحيوية نحو أجواء اللهو القريبة، حيث تُقام حفلة صغيرة يختلط فيها الطعام بالأغاني والضحكات، محاولةً جذبه إلى شيءٍ من الحياة. لكنه اكتفى بالتلويح بسيفه بلا اكتراث، رافضًا الانضمام، وكأن وجوده في مثل تلك المناسبات خيانة لصراعه الداخلي. توقّفت عند رفضه، وظهر الامتعاض على وجهها، فخفض رأسه للحظة قصيرة، وتسرّبت المرارة من ذاكرته كسمٍّ قديم.

عاد صدى الخلاف العالق في أعماقه مع والده، كلماتٌ قاسية وذكريات طردٍ لم يُنسَ، نزاعٌ بين من أراد النجاة بالصمت، ومن رفض العيش منحنياً. لم يحتج الأمر إلى شرح؛ كانت تفهمه أكثر مما ينبغي. ضحكت وهي تضربه على كتفه بخفة، معتبرةً ما حدث عقابًا مستحقًا، وتركت خلفها ساحة التدريب وصدى خطواتها يتلاشى.

حلّ الليل، وعادت بالطعام كما وعدت. أظهر إيسكالدور فرحًا بسيطًا، امتنانًا صامتًا لا يحتاج إلى كلمات. وفي صباح اليوم التالي، حملا أسلحتهما وغادرا دون وداعٍ حقيقي، تاركين خلفهما بقايا الطفولة وآخر ما تبقّى من حياةٍ مستقرة.

اتجها نحو أعماق العالم الشرس.

كانت رحلتهما أشبه بعملية تصفيةٍ طويلة. في بدايتها، عبرا قرىً جديدة وكهوفًا مجهولة، واجها أسياد تلك الأماكن، سحقوهُم بلا تردّد، واستوليا على ما يكفي للبقاء. لم يكن في أفعالهما تردّد ولا شفقة؛ كانا يمضيان كإعصارٍ يتعلّم اسمه العالم خطوةً بعد خطوة.

ومع الوقت، بدأ الرفاق يتجمعون. كان أولهم محاربًا يُدعى لايت، أحد أشرس مقاتلي قريته. هُزم أمام إيسكالدور، لكن الهزيمة لم تكسره؛ بل جعلته ينضم، معترفًا بالقوة التي واجهها. وبالطريقة ذاتها، تتابعت التحالفات، حتى اكتمل العدد خمسة عشر مقاتلًا، توحّدوا تحت اسمٍ واحد: ساحقو الوحوش.

ذاع صيتهم، وصاروا مقصدًا للخوف والرجاء معًا، قبل أن يتجهوا نحو مصيرهم النهائي.

وصلوا إلى تلك المملكة التي تحوّلت إلى أرضٍ وحشية، تسكنها وحوش بشرية فقدت كل معنى للإنسانية. ومع وصولهم، اندلعت الحرب، وتفجّرت فوضى أعظم مما عرفته الأرض من قبل. سالت الدماء، وارتفعت منها أعمدة السلطة الجديدة؛ قُصِرٌ شُيّدت، ومنازل رُفعت من الرماد، وأعلام ارتفعت في السماء معلنة انتصارًا كاسحًا لساحقي الوحوش.

أُعلن عن عودة عائلة لوزرين، لكن باسمٍ جديد وهويةٍ جديدة: العائلة الإيسكالدورية الملكية، يتربّع إيسكالدور على عرشها حاكمًا للمملكة.

ومنذ تلك اللحظة، أصبح اسم إيسكالدور مرادفًا للرعب في قلوب القبائل والقرى كافة. وبهذا، عادت أول مملكةٍ حقيقية في التاريخ، حقيقةً واحدة لا تزيف فيها. ومن بعدها، عبر العصور، استمرت الأحداث في الجريان، حاملةً أثر ذلك الاسم الذي غيّر مجرى العالم.

نهاية الفصل

More Chapters